إرم ذات العماد [ تحفة الألباب ونخبة الإعجاب ]



اعلم أنّ الله عزّ وجلّ قال في القرآن المبين: [ألم ترَ كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد التي لم يُخلق مثلها في البلاد]، حكى الشعبيّ في كتاب سير الملوك: أنّ الملك شدّاد بن إرم بن عاد ملك جميع الدنيا، وكان قومهم قوم عاد الأولى زادهم الله بسطةً في الأجسام وقوّة حتى قالوا من أشدّ منّا قوّةً؟ وقال الله تعالى: [أولم يروا أنَّ الله الذي خلقهم هو أشدّ منهم قوّةً] وأنّ الله قد بعث إليهم هوداً النبيَّ عليه السلام فدعاهم إلى الله عزّ وجلّ، وعبادته وطاعته، فقال شدّاد: إن آمنت بإلهك ماذا لي عنده، فقال هود عليه السلام: (يعطيك في الآخرة جنّة مبنيّة من ذهب. فيها قصور من ذهب. عليها غرف من ذهب من فوقها غرف من ذهب ويواقيت ولؤلؤ وأنواع الجواهر) قال شدّاد: فأنا أبني في هذه الدنيا مثل هذه الجنّة ولا أحتاج إلى ما تعدني بعد الموت قال كعب الأحبار رضي الله عنه: إن الله تعالى وصف قصّة إرم ذات العماد في التوراة لموسى عليه السلام، وصفة بنيانها قال: أمر شدّاد ألف أمير من جبابرة قوم عاد أن يخرجوا ويطلبوا أرضاً واسعةً كثيرة المياه طيّبة الهواء بعيدة من الجبال، ليبني عليها مدينةً من ذهب قال: فخرج الأمراء ومع كلّ أمير ألف رجل من جنده وحَشَمه، وطلبوا في أرض اليمن حتّى وصلوا إلى جبل عدن، فرأوا هنالك أرضاً واسعةً كثيرة العيون طيّبة الهواء كما أمرهم به الملك شدّاد قال: فأعجبتهم تلك الأرض؛ فأمروا المهندسين والبنّائين فخطُّوا مدينة مربّعة الجوانب دورها أربعون فرسخاً كلّ وجه عشرة فراسخ فحفروا الأساس إلى الماء وبنوه بحجارة الجزع اليمانيّ حتى ظهر على وجه الأرض، ثمّ بنوا فوقه بلبنات الذهب الأحمر سوراً علوه خمسمائة ذراع في عرض عشرين ذراعاً. وكان شدّاد قد بعث إلى جميع معادن الدنيا فاستخرج منها الذهب، واتّخذه لَبِناً، ولم يترك في يد أحد من الناس في جميع الدنيا شيئاً من الذهب إلا غصبه واستخرج الكنوز المدفونة، ثم بنى في باطن المدينة ثلاثمائة ألف قصر وستّين ألف قصر في كل قصر ألف عمود من أنواع الزبرجد واليواقيت معقود بالذهب. طول كل عمود مائة ذراع، ومدّ على الأعمدة ألواح الذهب والفضة، وبنى على الألواح قصوراً من ذهب من فوقها غرف من ذهب، ومن فوق الغرف غرف أيضاً وجميع ذلك مزيّن بأنواع اليواقيت والجواهر، وجعل في طريق المدينة أنهاراً من ذهب، وجعل حصاها اليواقيت والجواهر وأنواع الزبرجد واللآلئ وجعل على شطوط تلك الأنهار أنواع النخيل والأشجار، جذوعها من الذهب وأوراقها وثمرها من أنواع الزبرجد واليواقيت واللآلئ، وجعل للمدينة أربعة أبواب كل باب علوه مائة ذراع في عرض عشرين ذراعاً كل ذلك بالذهب مزيّناً بأنواع اليواقيت والجواهر (وجعل حصى المدينة من أنواع الجواهر، ثم بنى حول المدينة مائة ألف منارة كلّ منارة طولها خمسمائة ذراع من ذهب مزيّنة بأنواع اليواقيت والجواهر) في كل وجه من وجوه المدينة خمس وعشرون ألف منارة من ذهب برسم الحرّاس الّذين يحرسون المدينة. فتمّ بنيانها في خمسمائة عام. فلما فرغوا من بنيانها سيّروا إلى مشارق الأرض ومغاربها أن يتّخذوا في البلاد بسطاً وستوراً وفرشاً من أنواع الحرير لتلك القصور والغرف التي في إرم ذات العماد، واتّخذوا أنواع الأواني والأطباق والقصاع والموائد والمنائر والسرج والقدور والهواوين والحباب والكيزان، وجميع ما يحتاج إليه في الدنيا من أنواع الذهب، ففرغ ذلك في عشر سنين، فزيّنت المدينة بالفرش والستور والآلات واتّخذ فيها أنواع الأطعمة والأشربة والأنقال والحلاوات والطيب والشموع والبخور بأنواع العود والعنبر والكافور، فلما فرغوا من ذلك كله خرج الملك شدّاد في ألف ألف جارية حِسان عليهنّ أنواع الحلي والحلل سوى الخدم والحشم، وخلّف على مملكته ابنه مرشد بن شدّاد، وكان أكبر أولاده وأعقلهم وأحسنهم سياسةً وأحبّهم إلى الرعية. قال: فلما أشرف شدّاد على مدينة إرم ذات العماد ورآها أعجبه ما رأى من حسنها وإتقانها فقال: قد وصلت إلى ما كان هود يَعِدُنيه بعد الموت، وقد حصلت عليه في الدنيا.