وصف جامع محمد علي بالقلعة [ القاهرة ]



أمر محمد علي باشا 1 بانشاء جامعه الكبير بقلعة صلاح الدين بالقاهرة. وتم الشروع في البناء سنة 1830م (1246هـ) واستمر البناء بلا انقطاع حتى توفى ودفن في المقبرة التي أمر ببنائها داخل المسجد ليدفن فيها. لم يفكر محمد علي باشا في انشاء مسجد جامع يحمل اسمه إلا في الحقبة الأخيرة من حكمة سنة 1829 2. وبعد أن استقرت له الأمور رأى ضرورة إنشاء مسجد جامع لأداء الفرائض وليكون فيه مدفنه 3.
استقدم محمد علي مهندساً تركيا اسمه يوسف بوشناق وكلفه بوضع تصميم المسجد الجامع في القلعة. وجاء تصميم الجامع مزيجا من العمارة المحلية والعمارة التركية وبصفة خاصة جامع السلطان احمد بالآستانة (كنيسة أيا صوفيا). كما ظهر في تصميم الجامع تأثير الفن البيزنطي.
بُنى الجامع على مساحة مستطيلة من الأرض داخل قلعة صلاح الدين الى الشرق من جامع الناصر محمد. ينقسم الجامع الى قسمين: القسم الشرقي هو بيت الصلاة وبه المحراب، والقسم الغربي هو الصحن المكشوف وتتوسطه الميضأة ولكل من القسمين بابان متقابلان أحدهما في اتجاه الجنوب والثاني في اتجاه الشمال. القسم الشرقي (بيت الصلاة) مربع طول ضلعه من الداخل 41 مترا تعلوه في الوسط قبة كبيرة قطرها 21 مترا، وارتفاعها 52 مترا عن أرضية الجامع تحملها أربعة عقود كبيرة ترتكز أطرافها على أربعة اكتاف مربعة. يحيط بهذه القبة المركزية أربعة أنصاف قباب ونصف قبة خامس يغطى بروز المحراب، وتغطى أركان الجامع أربعة قباب صغيرة. سُمك الجُدران عند الأساس 2.20 مترا ويتناقص السُّمْك الى 1.90 مترا في الاجزاء العلوية. كسيت الجدران من الداخل والخارج برخام الألبستر النادر المجلوب من محاجر بنى سويف في صعيد مصر، وايضا الاكتاف الأربعة الداخلية الحاملة للقبة إلى ارتفاع 11 مترا. دكّة المؤذن تشغل الجدار الغربي بأكمله بعرض الجامع وترتكز على ثمانية أعمدة من الرخام فوقها عقود ولهاسياج من النحاس ويمكن الصّعود الى دكة المؤذن هذه عن طريق سلمى المئذنتين. محراب الجامع في جدار القبلة مُجوف مكسو بالمرمر ( رخام الألبستر المُعرّق) يجاوره منبر نادر من الرخام أمر بعمله الملك فاروق الاول ملك مصر سنة 1939.
نال هذا الجامع قسطا كبيراً من عناية حكام أسرة محمد علي باشا. فعندما مات محمد علي باشا كانت أعمال كسوة واجهات الجامع بالرخام لم تستكمل. ولما تولى عباس باشا الأول حكم مصر سنة 1848 أمر باستكمال أعمال الرخام والزخارف والتذهيب وعمل تركيبه رخام ومقصورة للضريح. ولما تولى محمد سعيد باشا أمر أن تقام به احتفالات ليلة الاسراء والمعراج وليلة نصف شعبان وثلاث ليال في رمضان منها ليلة القدر. أما الخديوي اسماعيل فقد أمر بعمل أبواب جديدة للجامع وأعد مقصورة بجوار المنبر صلى فيها السلطان العثماني عبدالعزيز عندما زار مصر، وأعاد الخديوي محمد توفيق كسوة القباب بالرصاص. وظل الجامع تحت رعاية لجنة حفظ الآثار حتى أدى الملك فاروق صلاة الجمعة بالجامع يوم 5 المحرم 1358هـ (24 فبراير 1939) مفتتحاً الجامع لأداء الفرائض بعد انتهاء أعمال التجديد وإعادة البناء. رأى الملك أن المنبر الأصلي المصنوع من الخشب يبعد كثيراً عن محراب الجامع، فأمر بعمل منبر جديد من الألبستر يوضع بجانب المحراب فصار للجامع منبران. كما أمر بسد النوافذ الموجودة بجدار المحراب.
وبالقرب منه المنبر الأصلي للجامع المصنوع من الخشب ويُعتبر من أكبر المنابر في جوامع مصر الاسلامية عليه زخارف نباتية متأثرة بطرازي الباروك والروكوكو التي شاع استخدامها في العمارة العثمانية في القرن الثامن عشر. وعلى المثلثات الكروية للقبة الكبيرة كتبت اسماء الخلفاء الراشدين الاربعة، لما كتب لفظ الجلالة وسيدنا محمد رسول الله بخط الخطاط العثماني أمين ازهيري وكتب على أعتاب الشبابيك أبيات من قصيدة البردة للأمام البوصيري بالخط النستعليق الفارسي. وفي الركن الجنوبي الغربي لبيت الصلاة يوجد ضريح محمد علي باشا ويتألف من تركيبة من الرخام تحيط بها مقصورة من النحاس المذهب عليها زخارف جمعت بين الأرابسك والزخارف العثمانية المتأثرة بالباروك والروكوكو وعليها لوحة من الرخام مكتوبة باللغة التركية تضمنت مدح خصاله ومواهبه وأعماله ومدة حكمه وتاريخ وفاته.
للجامع مئذنتان شاهقتان توجدان عل طرفي الواجهة الغربية لبيت الصلاة وبُنيتا على الطراز العثماني للمآذن ارتفاع كل منهما 84 مترا وبكل مئذنة 256 درجة سلم الى نهاية الدورة الثانية. القسم الثُاني الغربي للجامع هو صحن كبير مكشوف يبلغ مساحته 2862م2 (ابعاده 53?54 متر) تحته خزان كبير للماء لاستخدام الجامع. يدور حول للماء لاستخدام الجامع. يدور حول الصحن أربعة أروقة ذات عقود ترتكز على أعمدة من الرخام وتحمل العقود قبايا صغيرة تغطى الأروقة مزخرفة من الداخل. ومكسوة من الخارج بألواح من الرصاص وعليها أهِلة م النحاس. في وسط الصحن ميضأة انشئت سنة 1844م - 1263هـ فوقها قبة ترتكز على ثمانية أعمدة من الرخام. باطن القبة عليها رسوم مناظر طبيعية مُلونة. وبداخل هذه القبة قبة أخرى من الرخام ذات ثمانية أضلاع لها هلال من الرخام وعليها زخارف بارزة من عناقيد العنب وعليها شريط من الكتابة بخط النستعليق الفارسي يقلم الخطاط "سنكلاح" وهي آيات قرآنية في ارشادات الوضوء.
يتوسط الرواق الغربي بالصّحن المكشوف يرج من النحاس المزخرف بالتخريم والزجاج الملون مركب بداخله ساعة دقاقة كان قد أهداها لويس فيليب ملك فرنسا الى محمد علي باشا سنة 1845م. وجاء ضمن الوثائق الرسمية أمر صادر من محمد علي باشا الى ديوان المبيعات والتجارة في 27 رمضان 1262هـ (1845م) بصرف مبلغ من المال الى الأسطى الذي أحضر الساعة المهداة من ملك فرنسا اليه.
في سنة 1935 في عهد الملك فؤاد أزيلت قباب الجامع الأصلية بسبب تداعيها وأعيد بناؤها من جديد وانتهى التجديد سنة 1939. تحت اشراف لجنة حفظ الآثار العربيّة 4. الجامع كائن داخل قلعة صلاح الدين شرق القاهرة 5.
1 : محمد علي باشا ولد بمدينة قوله في قونية سنة 1768م (1182هـ). كان ابوه ابراهيم أغا رئيسا للحرس. تركه أبوه وهو صغير ليكلفله عمه طوسون أغا، وبعد وفاة عمه تولى كفالته حاكم مدينة قوله واسمه الشوربجي وكان صديقاً لوالده. التحق محمد علي بالجيش في أول شبابه وأبدى شجاعة منقطعة النظير ورقى الى رتبة بلوك باشى (قومندان فرقة). تزوج احدى قريباته واستغل بالتجارة حتى سنة 1801. انتظم في القوة البحرية العثمانيّة التي شكلها السلطان لطرد الفرنسيين من مصر. اشترك في موقعة أبى قير البحريّة ضد الفرنسيين إلى الشرق من الاسكندريّة. ظهر نجمة بعد انتصار الجيش التركي على الفرنسيين في موقعة الرحمانية. بعد جلاء الفرنسيين عن مصر سنة 1801 رقى محمد علي إلى رتبة لواء ثم عُين قائدا على أربعة آلاف جندي ألباني. وبعد صراعات ودسائس بين الطوائف والقوى المختلفة استمرت حتى سنة 1805 استطاع محمد علي أن ينال تأييد العلماء والمشايخ والأعيان ونادوا بتعيينه واليا على مصر فصدر فرمان السلطان بذلك في مايو 1805 (صفر 1220م).
2 : حيث انشغل منذ ولايته سنة 1805 في توطيد أركان دولته والنهوض بها سياسيا وماليا واجتماعيا، ودخل في حروب عدة لتوسيع رقعتها وتأكيد استقلالها.. اعتنى محمد علي بالجيش ونظم التعليم والرى والمالية والتجارة والصناعة والهندسة والموسيقى والطب وأنشاء المصانع والمدارس. وبعد أن استقرت والموسيقى والطب وانشاء المصانع والمدارس.
3 : وقد توفى محمد علي بالاسكندرية في 2 أغسطس 1848م.
4 : قامت هيئة الآثار المصريّة في سنة 1931 اكتشف محمود باشا أحمد مدير لجنة حفظ الآثار العربية خللاً جسيما حدث بقباب الجامع وتأثر العقود والاكتاف الحاملة لها من تفتت أحجار أرجل العقود تحت حمل القبة الكبيرة ورفس العقود للجدران الخارجية. أمر الملك فؤاد بتكوين لجنة من كبار المهندسين المصريين والأجانب قامت بفحص الجامع ووضعت مشروعا لاصلاحة قضى بضرورة إزالة القبة الكبيرة وأنصاف القباب والقباب الصغيرة. وفي فبراير سنة 1935 بدأ مشروع الاصلاح بازالة القباب واعادة بنائها بأسلوب جديد، واستمر المشروع أربع سنوات وانتهى سنة 1939. وقد أعيد بناء القباب على هياكل من الصلب. أنظر: حسن عبدالوهاب : تاريخ المساجد ج1 ص 376 -388. كمال الدين سامح : العمارة الاسلامية في مصر ص 63 - 64. علي مبارك : الخطط التوفيقية ج5 ص 84. ابو الحمد فرغلي : الدليل الموجز ص 151 -155.
5 : فاروق عسكر، دليل مدينة القاهرة، الجزء الثالث، مشروع بحثي مقدم إلى موقع الشبكة الذهبية، أبوظبي: إبريل نيسان 2004، ص 181- 182، ص 187.