الطرف [ منازل القمر ]




الطرف آخر انواء الصيف، وأول طوالع سهيل الأربعة واول الصفري عند العامّه لأنه كان يوافق مجيء صفر، وهما نجمان خفيّان اعتقد العرب أنّهما موقع عيني الأسد، يقال طرف فلان أي رفع طرفه فنظر، وطالعه في 24 من شهر اغسطس، ومدّته ثلاثة عشر يوما، و يبعد نجم الطرف (Alterf ) عن الشمس 336 سنة ضوئيّة. يقسم العرب أغسطس (آب) إلى ثلاثة أقسام، لكل قسم سمة، فيقولون: عشرة من آب يذوب المسمار في الباب، وعشرة تطيح الأرطاب، وعشرة يفتح من الشتاء باب. ويقول ساجعهم: (إذا طلعت الطرفةْ، بكرت الخُرْفةْ، وكثرت الطُّرفةْ، وهانت للضيف الكُلفة). يريدون أن خرفة الثمر – أي جنيه - تبكر في وقت طلوعه، وتكثر الطّرفة عندهم، وتهون الكلفة للضيف لكثرة الثمر في ذلك الوقت، وكثرة اللبن الذي يستنفضونه من الضروع لفصال الأولاد عن الأمهات.
قال ابن الفارض:

صارَ وصفُ الضّرّ ذاتيّاً لهُ عن عَناء والكلامُ الحيّ لَي
كهِلاَلِ الشّكّ لولا أنَهُ أنّ عَيني عَيْنَهُ لم تتأيْ
مِثْلَ مسلوبِ حياةٍ مثلاً صار في حُبِّكُمُ مَلسوبَ حَي
مُسْبِلاً للنأي طَرْفاً جادَ إن ضَنّ نَوءُ الطّرْفِ إذ يسقط خَي
بَيْنَ أهلِيهِ غَريباً نازحاً وعلى الأوطانِ لم يعطِفْه لي
جامِحاً إنْ سِيمَ صَبراً عنكُمُ وعليكُمْ جانِحاً لم يتَأيْ

قال الساعاتي في مدح ابن عون وهو برسم لوحة لنجوم الماء:

أَدر طلا الود وَاترك نَصح مِن نَصَحا يا صاح وَاِنتَهب اللَذات مُصطَبِحا
وَطُف بِها بِنت كَرم طابَ مُشربها عَلى كِرام أَسروا وَالهَوى فَضَحا
شَمس تَجَلَت إِلَينا في سَما قَدح جَنح الدُجى وَزِناد الشُهب قَد قَدَحا
وَأَشرَقَت وَالجَواري الزُهر تَغرَق في بَحر المَجَرة لَما حُوته سبحا
حَتّى اِنثَنى جَيش نَجم الأُفق مُنهَزِماً وَالدَلو بَعداً عَن الأَوطان قَد نَزَحا
وَقَد غَدا صارم المَريخ يَلمَع في كَف الثُريا وَلِلجَوزاء قَد ذُبِحا
كَم شَق مِن جَبهة صَفحاً وَجارَ وَعَن قَطع الذِراع غَداة الضَرب ما صفحا
وَعاين الطَرف ان الفرقدين عَلى عَزل السماك وَنَهب البَلدة اِصطَلَحا
وَالمُشتَري قَد غَدا بِاللَهِ مُحتَسِباً في أَمرِهِ مُذ رَأى الميزان قَد رَجحا
وَما رَعى حَمل الأَفلاك سُنبلة وَالثَور لِلحَرب مِن غَيظ يَدير رَحا
وَاللَيث يَسطو فَيَسمو كُل مَنزِلَة بِبَأسِهِ فَرَماهُ القَوس فَاِنطَرَحا
ثُم اِنجَلى نَقع ذاكَ اللَيل حينَ بَدا وَجه اِبن عَون وَنور الصُبح قَد وَضحا

وقال ابن لؤلؤ الذهبي:

يا أهيل الجزع ما أغناكم عن حيا الأنواء طلاً وركاما
فابعثوا نحوي إذن رائدكم إن نوء الطرف عندي قد أقاما
وابعثوا أشباحكم لي في الكرى إن أذنتم لجفوني أن تناما
ومديرٍ لحظ عينٍ كلما شام برق الشام اشتاق الشآما
مغرمٌ في ساكنيه لم يزل مستهماً في هواها مستضاما
كيف يختارُ البقا يوم النقا وهو من دون الحمى يلقى الحماما

وقال شهاب الدين الخلوف:

سَقَا الطَّرْفُ وَادِي مِصْرَ طوفَانَ أدْمُعِي وَحَامَ عَلْيهَا نَوْءُ تَمِّ وَمُرْزِمِ
وَقَادَ إلَيْهَا الرّيحُ في كُلّ بُرْهَةٍ نَجَائِبَ غَيْمٍ بَيْنَ بِكْرٍ وَأيِّمٍ
فَكَمْ في حِمَاهَا مِنْ فُؤَادٍ مُعَذَّبٍ وَكَمْ في ذُرَاهَا مِنْ مَشُوقٍ مُتَيَّمِ
مرَاتعُ غزلانٍ وَمَغْنَى حَمَائِمٍ ودوحةُ أغْصَانٍ وَهَالاَتُ أنْجُمِ

يبرد في الطرف آخر الليل . ويرى نجم سهيل بالبصر . وفيه تنشر أقمشة الصوف والجوخ ، لئلا يدخلها السوس . فيه ابتداء نضج الليمون ، والرمان وطيب تناوله . وأوان غرس النخل ،ووجود سائر الفواكه . ووفرة التمر ، وكثرة خرافه ، ونزوله إلى الأسواق، تظل نسبة الرطوبة على السواحل عالية وتستمر فيه هجرة الدخل وتبداء هجرة طيور الصفار . ينصح فيها المزارعون بكثرة سقي المزروعات وزراعة فسائل النخيل ، حتى نهاية شهر أيلول ( سبتمبر). ويزرع فيه البطيخ والشمام والبرسيم الخريفي والباذنجان والذرة الصفراء والقثاء والخيار والملفوف والقرع والكوسة والباميا والفاصوليا واللوبيا والبصل والفلفل وزهرة القرنبيط والسمسم واللفت والسلق والسبانخ والطماطم ( زراعة خريفية )، يكثر فيه سمك: (الربيب \ القفدار), (اللحلاح \ البساره \ الضلع) ,و الصافي ,و البدح.
ومن أساطير الإغريق عن كوكبة السرطان التي يسكنها النجمان أنّ إحدى مهام هرقل الاثنتي عشرة كانت قطع رؤوس الهيدرا (أفعى الماء) التسعة، فلما التقاها وبارزها، ساعدها في نزاله معها سرطان جبّار سلّطته هيرا عليه، فكان كلما قطع رأسا من رؤوسها التسعة نبت لها رأسان بدلا من واحد، ولكنه ظفر بها بواسطة دواء محلول سحريّ راح كلّما وضعه على العنق المقطوعة يكوي الجرح قبل خروج رأس جديد. وأما السرطان فقد سحقه هرقل بضربة من كعب رجله، فما كان من هيرا إلا أن حوّلته إلى كوكبة خالدة في السماء وفاء له.