المدرسة الطبيعية الأيونية الأصل الواحد للأشياء [ في حقائق الوجود ]



وسُميت بذلك لأن الممثلين الرئيسين الثلاثة لهذه المدرسة، وهم: طاليس وأنكسمندريس وأنكسمانس، من أيونيا، أي ساحل آسيا الصغرى.

1- طاليس: وهو من الحكماء السبعة، ولد العام 624 ق.م. مات قرابة العام 550ق.م. وقد اهتم كثيراً بدراسة الطبيعيات، وتنبأ بكسوف الشمس في العام 610ق.م، علماً أن هذه التواريخ تقريبية، وينطبق الشيء نفسه على تواريخ الفلاسفة الأول.
وتعتبر فلسفة طاليس "طبيعية"، لأنها تبحث عن الأصل الطبيعي للموجودات. وكان يُعتقد أن "الماء" هو هذا الأصل، وأن أي شيء يمكن أن يتحول إلى ماء، فيما يمكن للماء أن يتحول أيضاً إلى شيء آخر. وكان طاليس يتصور أن الأرض تطفو فوق الماء كما يطفو الخشب على بحيرة هادئة، وأن الكون مليء بالآلهة. كما كان يعتقد بأن النفس تملأ العالم، وأن كل شيء متحرك له نفس، فالإنسان يتحرك.. إذن له نفس، ومثله الحديد الذي يتحرك بفعل المغناطيس... ولم يكن الفرق في ذلك الوقت واضحاً بين الروح والمادة.
2- أنكسمندريس: بعد وفاة طاليس، في منتصف القرن السادس قبل الميلاد، انتقلت المدرسة الأيونية إلى مدينة "مليطة"، إلى أنكسمندريس الذي ربما وُلد قرابة العام 611 ق.م، في تلك المدينة. وهو الذي توصّل إلى قياس الوقت بواسطة ظل الشمس، وكان يعتقد بأن الأرض لا ترتكز على حامل، كما ظن طاليس، بل هي معلقة في وسط السماء على مسافة متساوية من سائر الأفلاك، وأن الأصل الأول للموجودات هو اللامحدود، الذي لا يمكن أن يكون عنصراً طبيعياً بعينه، مثل الماء أو الهواء، وهو غير قابل للفناء. واعتُبرت فلسفة أنكسمندريس في حينها ثورة على الأساطير التي تتكلم عن نشأة العالم. لقد كان يتصور أن اللامحدود متحرك، قد خرجت منه كرة من اللهب، ثم انفجرت إلى أجزاء كثيرة، وأصبح كل جزء منها في صورة دائرة بواسطة الحركة. وفي تفسيره لأصل العالم سبق أنكسمندريس النظريات الفلكية الحديثة التي تقول بأن أصل العالم هو الانفجار الكبير Big Bang.
ويشير بعض المفكرين إلى أن أنكسمندريس كان صاحب نظرية في التطور، وكان يعتقد بتطور الكائنات الحية، وبتلاؤمها مع البيئة التي تعيش فيها. وقال إن أول ما ظهر من الكائنات الحية على الأرض كانت الأسماك، وآخرها الإنسان. وكان يذهب إلى أن الأرض في البدء كان سيّالة ومع الجفاف التدريجي عن طريق التبخير، تولّدت الكائنات الحيّة من الحرارة والرطوبة، وكانت الكائنات الحية الأولى بدائية، ثم تطورت إلى أجهزة عضوية أرقى، من خلال التكيّف مع بيئتها. وكان الإنسان سمكة في الماء، ومع الجفاف وجدت مناطق من الأرض عالية جافة، فتحولت بعض زعانف الأسماك إلى أطراف لتلائم الحركة على الأرض، وهكذا اكتشف انكسمندريس نظرية النشوء والارتقاء قبل داروين. ومن أقواله: "إن كل ما ينشأ يصيبه الفناء، وكل ما يولد جدير بالموت".
3- انكسمانس: لقد كان من سكان مدينة مليطة. ولد نحو العام 558 ق.م، ومات قرابة 524 ق.م. اتفق مع الآخرين على أن المبدأ الأول للكون مادي، وقال بأن التخلخل هو مثل الحرارة المتنامية، وأن التكثيف هو البرودة المتنامية، وأن الهواء بالتخلخل يصبح ناراً، والنار المتولدة للأعلى على الهواء تصبح نجوماً، وبالعملية العكسية الخاصة بالتكثيف يصبح الهواء أولاً سحباً، وبالدرجات الأشد من التكثيف يصبح ماءً وصخوراً على التعاقب، وأضاف أن العالم يدور في مجرى الزمن من جديد ويستحيل إلى هواء أولي. ولقد قال أيضاً بنظرية العوالم اللامتناهية وهذه العوالم متعاقبة.