تدوين الرحلة [ تحفة الألباب ونخبة الإعجاب ]



منذ اغتربت عن المغرب الأقصى شاهدت من الأئمة الكرام ما لا يعد ولا يحصى، وأولاني الله عز وجل على أيديهم من أنواع النعم والإحسان ما لا يقدر على إحصائها لسان إنسان، جازاهم عني الله أفضل الجزاء، إنه سميع الدعاء فعال لما يشاء. ولما وصلت إلى الوصل سنة سبع وخمسين وخمسمائة في جناب الشيخ الإمام الزاهد الماجد معين الدين ومحيي سنن المرسلين وخاتم النبيين بتأليف وسيلة المتعبدين، أبي حفص عمر بن محمد، متوخيا بتأليفها رضى الله تعالى وشفاعة نبيه المصطفى محمد (ص).

جمع الوسيلةَ مشبهُ الفاروقِ وسميُّه فسما على العيُّوقِ
باهى بها فلك البروج وأصبحت كالشمس لا تخفى بكل طريقِ
حوت النبوَّةَ والشريعةَ كلها وأصول علم الفقه بالتحقيقِ
الله أيده على تأليفها وحباه بالإرشاد والتوفيقِ
ختمت تواليف كما بها ختم النبوَّة أحمد الصدِّيقِ

فشهدت من كرمه وإكرامه، وتواضعه وإنعامه لجميع المسلمين... وتقشفه في لباسه على زي الصحابة والتابعين... كأنه ملك في زي مسكين، فهو في هذا العصر معدوم القرين... ولم يزل - أيده الله وأبقاه - يحثني كلما كنت ألقاه أن أجمع ما رأيته في الأسفار من عجائب البلدان والبحار، وما صح عندي من نقلة الأخبار والثقات الأخيار، فأجبته إلى ذلك وإن لم أكن هنالك، لعزوب الفطن وضيق العطن وبعد الأهل والوطن، وتشتت الأحوال وركوب الأهوال، وطول الاغتراب والبعد عن الأحباب ومساورة العذاب، أسأل الكريم المجيب أن يمنَّ علي بالفرج القريب ويرحم الله عبدا قال آمين. ورأيت أن أسمي هذا المجموع "تحفة الأباب ونخبة الإعجاب" وأرتبه على مقدمة وأربعة أبواب. فالمقدمة للبيان والتمهيد، والأبواب لتتمة المقصود.

الباب الأول في صفة الدنيا وسكانها من إنسها وجانها.
الباب الثاني في صفة عجائب البلدان وغرائب البنيان.
الباب الثالث في صفة البحار وعجائب حيواناتها وما يخرج منها من العنبر والقار، وما في جزائرها من أنواع النفط والنار.
الباب الرابع في صفات الحفائر والقبور وما تضمنت من العظام إلى يوم النشور، ليكون ذلك سببا للاعتبار وداعيا إلى الفرار من دار البوار إلى دار القرار، جعلنا الله وإياكم من الفائزين، وأدخلنا برحمته في عباده الصالحين.