عندما شب الحريق في سوق دبا، وغَرِق [ مائة موقع في الإمارات ]



ترتبط دبا بثلاث "أساطير" أو حكايات هي: حكاية، أو أسطورة مالك بن فهم، وحكاية السوق "العظيم" وحكاية القصور الكثيرة التي تملأ نواحيها، التي تُربط باستمرار بحادثة "الردة" أو بدخول الإسلام إلى عُمان. وسأتحدث هنا، عن هذه الحكايات "الثلاث" باختصار.
(1)
ترجع كتب الأنساب وجود الأزد في عُمان إلى "أصلٍ" واحد هو " مالك بن فهم". وأن مالك هذا قد هاجر بأزد "السراة" من اليمن، بعد انهيار سد مأرب إلى عُمان فوجدها تحت حكم الفرس، فخاض معهم حروب كثيرة حتى طردهم من عُمان.
قُتل مالك بن فهم على يد ابنه سليمة، في "الحادثة" المشهورة، فتولى الملك بعده ابنه هناءة وبعض أحفاده إلى أن انتقل الملك إلى عائلة أخرى، يقال لها عائلة "المستنير".
وعلى الأرجح فإنه في هذه الفترة، عاد الفرس إلى عُمان، إذ أضحى أحد أحفاد عائلة "المستنير"، ويدعى الجلندي بن كركر عاملاً للفرس على عُمان. وكان هذا "الجلندي" عاملاً ظالماً، حين قيل في الأمثال العربية: " ... أظلم من الجلندي". وقيل بأن الآية القرآنية التي تقول: " ... وأما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر، وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً" تعني "الجلندي".
وكان الشعراء في الجاهلية يقصدون "الجلندي" هذا ويمدحونه. ومنهم الأعشى الذي وفد عليه ومدحه (راجع ديوان الأعشى).
ويقول الطبري أيضاً بأن هناك رجلٌ كان يسامي الجلندي في الجاهلية"، أي ينازعه على السلطة. وكان هذا الرجل يسمى لقيط بن مالك الأزدي ." المتنبئ، المشعوذ، الدجال، الكذاب" كما تصفه المصادر التاريخية الكلاسيكية.
(2)
يقول المخبَّل السعدي:

أرى إبلي حلَّت دبا بعدما يُرى لها وطن جنباً عتود فزابنُ

ويقول الطبري:
"دبا" هي المصر والسوق العظمى".
وكانت دبا من أكبر أسواق العرب في الجاهلية، يقصدها الباعة من الجزيرة العربية والهند والسند والصين ، وكان الجلندي يشرف على هذه السوق، ويجني الضرائب. وكانت السوق تقام آخر يوم من رجب حتى منتصف شعبان. يقول المرزوقي: " وكان يجتمع بدبا تجار السند والهند والصين وأهل المشرق والمغرب، فيشترون بها بيوع العرب والبحر".
ويعتقد أهالي دبا بأنَّ هذا السوق كان معروفاً حتى وقت قريب لدى السكان في الجانب الشمالي الغربي لدبا الحصن حالياً. وكان هذا السوق يطل على مرفأ وأرصفة اختفت وطمرها البحر بعد ذلك- حسب السكان (يُعتقد أن المرفأ ردم في المنطقة الواقعة اليوم بين غليلة البيعة، وبحر صنيد الواقع قرب نادي دبا الحصن).
(3)
أرسل النبي أبا يزيد الأنصاري وعمرو بن العاص إلى جيفر وعبد، وهما ابني "للجلندي" أعقباه في حكم عمان. فقال عبد بن الجلندي لموفدي الرسول بأنَّ "الذي تدعو إليه من صاحبك أمر ليس بصغير وأني أعيد التفكير فيه وأعلمك". ولهذا قام عبد وجيفر باستشارة عرّافاً من المنطقة يدعى: كعب بن برشة العودي فتنبأ لهما قائلاً: بأن "محمد" نبي وقد عرفت صفته، وأنه سيظهر على العرب والعجم". وبعد أن انتهى من قوله أسلم، فأسلم معه عبد وجيفر "وسائر أهل عُمان" .
وبعد وفاة محمد، قام لقيط بن مالك الأزدي بالهجوم على عبد وجيفر فهرب هذين إلى الجبال وطلبوا المدد من أبو بكر الصديق، لأن لقيط رفض دفع الزكاة والضرائب، وارتد بالتالي عن الإسلام، فأرسل أبو بكر جيشاً لنجدة أبناء الجلندي فتجمع جيش المسلمين في صحار، بينما تجمع جيش لقيط في دبا.
ويقول المؤرخون: إن جيوش المسلمين اصطدمت "مع المرتدين في منطقة دبا، ودارت بينهما معارك طاحنة، لم يخض المسلمون مثلها ولا حتى في معركة اليمامة ضد مسيلمة الكذاب، في حروب الردة، ومن ثم فقد اشتدت السواعد، والتحمت الصفوف، ونزلت الهزيمة والخذلان بالمرتدين، فولى الجند المرتدون الأدبار، وقتل يومئذ منهم ما يقارب العشرة آلاف مقاتل، وفرّت الآلاف الباقية في السهول والصحاري، بينما كان جيش المسلمين كله لا يتعدى تعداده العشرة آلاف، فقتل يومئذ رأس المرتدين المشعوذ الدجال مدّعي النبوة الكاذب لقيط بن مالك الأزدي".
يقول الشاعر عباد الناجي:

لعمري لقد لاقى لقيط بن مالـك من الشر ما أخزى وجوه الثعالب
ولم تنهد الأولى ولم ينكا السعدا خليجان من تيّاره المتراكب
وبادى أبا بكر ومن حل فارتمى فألوت عليه خيله بالجنائب

ويقال: بأن جيفر بن الجلندي عندما دخل دبا مع المسلمين غنم السوق بما فيها، وأحرقها.
(4)
يُعيد الأهالي القبور الكثيرة المتناثرة من خور فكان إلى دبا، وفي معظم نواحي دبا إلى ما حدث من حروب في أيام "ردّة" لقيط بن مالك تلك. وما زال القسم التابع للفجيرة من دبا يُسمى إلى اليوم ب "دبا البعيثة". وفي هذا القسم توجد منطقة تسمى إلى اليوم بـ: "الردّة".

أحمد راشد ثاني