كهوف بيت جبرين [ القرى الفلسطينية المدمرة ]



جاء عي احتلال القرية وتهجير سكانها، أنه عندما دخلت القوات المصرية فلسطين، في المراحل الأولى من الحرب، أعطيت الكتيبة الأولى في الجيش المصري الأوامر كي تتخذ مواقع لها في بيت جبرين (الواقعة على خطوط الجبهة الفاصلة بين القوات الإسرائيلية والقوات المصرية) في النصف الثاني من أيار - مايو 1948. وورد في صحيفة "نيويورك تايمز"، في أوائل أيار- مايو، أن آلافاً من سكان يافا نزحوا إلى منطقة الخليل، و "سكن كثيرون منهم الكهوف التاريخية لبيت جبرين، شمالي غربي الخليل".
وتشير المصادر الإسرائيلية إلى أن احتلال بيت جبرين تم في الطور الأخير من عملية يوآف. وعلى الرغم من أن عملية يوآف جرت، بصورة رئيسية، في المنطقة الساحلية الجنوبية (حيث نجحت القوات الإسرائيلية أخيراً في احتلال المجدل وإسدود)، فإنها اشتملت أيضاً على هجوم شنّه لواء غفعاتي في منطقة تلال الخليل. علاوة على ذلك، جرى التنسيق بين عملية يوآف وعملية ههار، بعد 18 تشرين الأول - أكتوبر، وكان الهجوم في الجزء الجنوبي من ممر القدس. وكانت العمليتان بقيادة يغآل ألون، "الذي لم يترك وراءه في حملاته السابقة أية مجموعات مدنية عربية"، بحسب ما ذكر المؤرخ الإسرائيلي بني موريس.
أوكل على لواء غفعاتي، خلال عملية يوآف، مهمة التقدم شمالاً وشرقاً صوب الخليل، بينما كانت قوات إسرائيلية أخرى تندفع في اتجاه الجنوب الشرقي نحو غزة والنقب. ويذكر موريس أن بيت جبرين، قصفت بعنف في بداية عملية يوآف في 15-16 تشرين الأول - أكتوبر. لكن ورد في صحيفة "نيويورك تايمز" في 20 تشرين الأول - أكتوبر، أن "بيت جبرين أضيفت على الأهداف المألوفة للقوة الجوية الإسرائيلية، أول مرة الليلة الماضية"، وأنها قصفت مرة أخرى في الأيام القليلة اللاحقة.وقد أدت هذه الهجمات، بالإضافة إلى غارة ليلية تمهيدية، إلى ما يسميه بني موريس "الفرار ذعراً" من القرية.
ونشرت صحيفة "نيويورك تايمز" تعليقات لناطق عسكري إسرائيلي على أهداف العملية، إجمالاً، قال فيها إنه لم يكن في نية الجيش الإسرائيلي أن يستولي على معاقل الجيش المصري في المنطقة، لكن "في أثناء تنفيذ عمليات قطع الطرق ضعفت قوة بعض المواقع المصري، بحيث بدا من البديهي الاستيلاء عليها."
احتُل بعض القرى، مثل دير الدبّان (نحو 6 كلم إلى الشمال) في أثناء الاندفاع صوب الشمال في 23 -24 تشرين الأول - أكتوبر 1948. ويشير موريس إلى هجوم أولي على بيت جبرين ليل 24 تشرين الأول - أكتوبر 1948، لكنه يذكر أن احتلالها لم يتم إلا في 27 من الشهر نفسه. أما "تاريخ الهاغاناه" فيؤرخ الهجوم الأولي في 26 تشرين الأول - أكتوبر، ويؤكد أن القرية احتلت في اليوم التالي. عندما تم احتلال بيت جبرين نهائياً، اعتبر الإسرائيليون أن السيطرة عليها تشكل تقدماً عسكرياً مهماً على الجبهة الجنوبية. كما أن باحتلالها أُحكم تطويق "جيب الفالوجة".
بعد أن اكتمل معظم عملية يوآف، تابع بعض الوحدات الإسرائيلية التقدم نحو الشرق في منطقة الخليل، وفي 30 تشرين الأول - أكتوبر، أفاد مراسل صحيفة "نيويورك تايمز" أن "الدوريات الإسرائيلية وجدت عدة قرى في النقب الشمالي، بين بيت جبرين والخليل، خالية فاحتلتها." وفي قضاء غزة، نهبت وحدات إسرائيلية مدينة المجدل وبعض القرى التابعة لها في 4-5 تشرين الثاني -نوفمبر 1948؛ وهذا الهجوم الأخير سبقته غارات جوية على امتداد المنطقة الساحلية الجنوبية.
والظاهر أ، القرية لم تدمر في إبان احتلالها، أو أنها - على الأقل- لم تدمر فور احتلالها. ويذكر بني موريس حالة بيت جبرين، من خلال وصفه موقف رئيس الحكومة الإسرائيلية، دافيد بن - غوريون، من تدمير القرى، فيقول: "يبدو بن - غوريون في يومياته، أحياناً، أنه يحاول متعمداً تضليل مؤرخي المستقبل. فمن ذلك أنه، في 27 تشرين الأول- أكتوبر.. وجد الوقت كي يدون فيها ما يلي : "دخل جيشنا هذه الليلة بيت جبرين... يغآل (ألون، قائد الجبهة الجنوبية) طلب "الإذن" في نسف بعض المنازل، فأجبت بالرفض".
في سنة 1949، أنشئت مستعمرة بيت غُفرين (140113) على أراضي القرية، إلى الشمال من موقعها. وكل ما بقي منها إلى اليوم مسجد، ومقام مجهول الاسم، وبضعة منازل. المسجد بناء حجري مسطح السقف، له نوافذ عالية مقوسة من جميع جهاته وله أبواب مقوسة الأعلى أيضاً، وله في الجهة الخلفية رواق واسع القنطرة تعلوه قبة. والمسجد محاط بالنباتات البرية. أما المنازل الباقية فبعضها يقيم فيه اليهود، وبعضها الآخر مهجور. وقد حول أحدها - وهو بناء حجري مؤلف من طبقتين، وله باب مستطيل ونوافذ- إلى مطعم إسرائيلي مسمى باسم عربي هو "البستان". وتنتصب منازل إسرائيلية مسبقة الصنع قرب المقام المهجور. وبات موقع القرية مغطى بالأعشاب الطويلة والشجيرات ونبات الصبار وأشجار الكينا، في حين أصبحت المنطقة الغنية بالآثار موقعاً يجتذب السياح 1.
1 : وليد الخالدي وآخرون، كي لا ننسى: قرى فلسطين التي دمرتها إسرائيل سنة 1948 وأسماء شهدائها، ترجمة حسني زينة، بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2001، ط3، ص150- 152.