الدبران [ منازل القمر ]





ثاني منازل فصل الصيف، وهو الدبران ويسمّى عين الثور، والتويبع، وهو الكوكب الأحمر العملاق الذي على أثر الثريا، من منازل القمر، وطالعه في العشرين من يوليو ومدّته ثلاثة عشر يوما. والدبران نجم في كوكبة الثور ويحتلّ مرتبة الخامس عشر في المع نجوم السماء الليليّة. وصل الى مرحلة تطوّره الأخيرة كعملاق احمر، ويبعد خمسة وستين سنة ضوئية عن الشمس ويبلغ قطره اربعة واربعين ضعف قطرها ، فلو كنّا في فلكه لبلغ محيطه الأرض، وهذا هو مصير شمسنا إذ سيتمدّد غلافها شيئا فشيئا حتى يصل الى عطارد فالزهرة فالأرض.
اعتقد العرب في اساطيرهم انّ الدبران كان راعيا فسأل القمر ان يخطب له الثريّا، فأبت وقالت: مالي ولهذا السبروت ( الفقير المدقع)، فما زال الدبران وكوكبيه الذين يكادا يلتصقان –يقول الأعراب انّهما كلباه ويقولون قلاصه- في إثر الثريّا لم يفارقه اليأس من قبولها عرضه حتّى قيل: أوفى من الدبران واغدر من الثريّا. وحسبوا مقدار المسافة -الفرجة- بين غروب الثريا وغروب الدبران، فسموها ضيقة، واستخشوها واستخشنوا الدبران وتشاءموا منهما، حتى قالوا: إن فلاناً أشام من حادي النجوم، واعتقدوا إن الزواج فيه يورث للزوجين الفقر. قال رجل من بني العنبر: "(إني لأصُرّ (أحبس) إيلي، وما هي بالكثيرة، حين يطلع النجم (الثريّا) فما أفرع من صَرّها. حتى يطلع الدبران". وتطيّروا من المطر فيه، وزعموا أنهم لا يمطرون بنوء الدبران إلا وتكون سنتهم جدبة.
وقال ساجع العرب: إذا طلع الدبران توقدت الحِزّان، وكُرهت النيران، واستعرت الذبان، ويبست الغدران، ورمتْ بأنفسها حيث شاءت الصبيان. والحزّان: هي الأرضون الصلبة، وأحدها حزيز لشدّة وقع الشمس. ويكره الدنو من النيران. وتهيج الذبّان. ولا يبالي الصبيان حيث رموا بأنفسهم لأنهم لا يخافون بردا ولا مطرا.
وللأخطل حكاية لا تخلو من فكاهة لمّا حلّ ضيفا على سعيد بن بيان التغلبي، وكان سعيدٌ رجلا دميماً أعور ذا مالٍ كثيرٍ، وكان سيد بني تغلب بالكوفة، وكانت تحته برة بنت أبي هانىٍ التغلبي، وكانت من أجمل النساء، فاحتفل له سعيدٌ وأحسن صلته وأكرمه، فلما أخذت الكأس من الأخطل جعل ينظر إلى وجه برة وجمالها وإلى دمامة زوجها وعوره! فتعجب منها ومن صبرها عليه، فقال له سعيدٌ: يا أبا مالكٍ، أنت رجل تدخل على الخلفاء والملوك وتنظر إلى هيئتهم وتأكل من طعامهم وتشرب من شرابهم: فأين ترى هيئتنا من هيئتهم؟ وهل ترى عيباً تنبهنا عليه؟ فقال له الأخطل: ما لبيتك عيبٌ غيرك! فقال له سعيدٌ: أنا والله أحمق منك يا نصراني حين أدخلتك منزلي، وطرده، فقال الأخطل:

وكَيْفَ يُدَاوِينى الطَّبيبُ منَ الجَوَى وبَرَّةُ عِنْدَ الأَعْوَرِ ابن بَيَانِ
ويُلْصقْ بَطْناً مُنْتنَ الرِّيحِ مُجْرِزاً إلى بَطْنِ خَوْدٍ دائم الخَفَقانِ
يُنَهْنهُنى الأَحراسُ عنها ولَيْتَنى قَطَعْتُ إِليها اللَّيْلَ بالرَّسَفَانِ
فهَلاَّ زَجَرْتِ الطَّيْرَ إِذْ جاءَ خاطباً بضَيْقَةَ بَيْنَ النَّجْمِ والدَّبَرَانِ

ولأسد بن ناغضة جاهلي في شأن عبيد بن الأبرص لمّا قتله النعمان بن المنذر في يوم بؤسه قوله:

غداة توخّى الملك يلتمسُ الحيا فصادف نحساً كانَ كالدبرانِ

قال ذو الرمة:

وَماءٍ قَديمِ العَهدِ بِالناسِ آجِنٍ كَأَنَّ الدَبا ماءَ الغَضى فيهِ يَبصُقُ
وَرَدتُ اِعتِسافا وَالثُرَيّا كَأَنَّها عَلى قِمَّةِ الرَأسِ اِبنُ ماءٍ مُحَلِّقُ
يَدُفُّ عَلى آثارِها دَبَرانُها فَلا هُوَ مَسبوقٌ وَلا هُوَ يَلحَقُ
بِعِشرينَ مِن صُغرى النُجومِ كَأَنَّها وَإِياهُ في الخَضراءِ لَو كانَ يَنطِقُ
قِلاصٌ حَداها راكِبٌ مُتَعَمِّمٌ هَجائِنُ قَد كادَت عَلَيهِ تَفَرَّقُ

والإعتساف: السير على غير علم أو هدى أو أثر. وبنات الماء ضربٍ من الطير، الواحد ابن ماء.
والدبران هو النجم الثاني من البوارح وهي من أشهر الظواهر الجوية الصيفية في منطقة الخليج، تتميز بهبوب رياح شمالية غربية نشطة مثيرة لعواصف ترابية و تشمل مناطق واسعة بما فيها المنطقة الشرقية و المنطقة الوسطى و الإمارات و عمان و جنوب إيران و جنوب العراق، وفي الدبران تجف الغدران ويحمد فيه أكل البقول والبصل ويستعمل فيه كل بارد رطب، وفي أثنائه ينتهي قصر الليل ويتوقف ثلاثة أيام ثم يأخذ في الزيادة ابتداء من التاسع منه وفيه اطول نهار واقصر ليل، وفيه تشتدّ السمائم، ويسودّ العنب ويزداد تلون طلع النخيل ويتوفر التين، تزرع فيه الذرة الشامية والملوخية والبقدونس والجرجير.
ولأن الدبران هو عين الثور التي يبصر بها تحكي الأساطير انّه لمّا سيقت الثيران من أعلى الجبل في طريقها نحو الشاطيء حيث اعتادت أوروبا ابنة الملك أجينور أن تلهو مع أترابها عذارى صور، إذ تبدّى لها الإله جوبيتر في هيئة ثور يعرض جماله فوق العشب الناعم، أبيض اللون كثلج لم تطأه قدم. قدّمت الفتاة له أزهارا ناصعة البياض فاستولى عليه الفرح. قبّل يديها، وعندما بدّد خوف الفتاة شيئا فشيئا، تجرأت جاهلة فامتطت ظهره، حينها اخذ الإله في ترك اليابسة شيئا فشيئا، ليغسل في امواج الماء قدميه الماكرتين، ثمّ ابتعد حاملا غنيمته في عرض البحر. إلتفتت أوروبا إلى الشاطيء الذي راح ينأى بعيدا، فأمسكت بوجل قرنه الأبيض بيد، وبالأخرى ردفه. وأخذت ثيابها التي حرّكها ارتعاش الخوف تتموّج على هوى الريح. وغاية القول انّ الثور الأبيض جوبيتر قد قضى من أوروبا وطرا، واسكنها على جبل الأولمب، أما ثور السماء فما زال يسبح في ظلمات الفلك لا يبدو للعيان سوى رأسه وقرنيه المكللين بهالة من الضياء.