الجبهة [ منازل القمر ]





وهو ثاني انواء سهيل، وطالعه في السادس من سبتمبر، وهذا يعني طلوع نجم سهيل اليماني في الجنوب وان لم تره عيانا، والجبهة نجمان عملاقان ( توقف تحويل الهيدروجين إلى هيليوم في نواتيهما )، يدور احدهما على الآخر مرّة كل 500 سنة، اذ يبعدان عن بعضهما اربعة اضعاف بعد الشمس عن بلوتو، ويبلغ سطوع الأكبر منهما 180 ضعف سطوع الشمس وقطره 23 ضعف قطرها. أما النجم الآخر فيبلغ سطوعه 50 ضعف سطوع الشمس وقطره 10 أضعاف قطرها. علما انّ قطر الشمس يساوي 109 ضعف قطر الأرض.
وللجبهة نوء محمود عند العرب الأقدمين، وهم يقولون لولا الجبهة ما كان للعرب إبل، وافضل ربيع عندهم ما جاد به نوء الثريّا ثمّ يتبعه نوء الجبهة، وهم يقولون: إنه ما اجتمع مطر الثريا في الوسمي ومطر الجبهة في الربيع إلاّ كان ذلك العام تام الخصب كثير الكلأ. قال ذو الرمة:

مُجلجلَ الرعدِ عرّاصا إذا ارتجستْ نوءُ الثريا به أو نثرةِ الأسد

والجبهة أطول الأنواء تنزله الشمس لمدّة 14 يوما، فتكتمل ال 365 يوما من السنة.
يقول الساجع: (إذا طلعت الجبهة، تحانت الوَلَهه، وتنازت السَّفَهه، وقلّت في الأرض الرَّفهه). وإنما (تحانّت الولهة) لأن أولادها قد مُيّزت عنها وفُصلت، فتسمع حنين الأمهات. ويكثر أيضا عند الفصال الموت في الأولاد، فالأمهات تحنّ. و (تتنازى السفهة)، لأنهم في خصب من اللبن والتمر، فيبطرون. قال الشاعر:

يا ابْنَ هشامٍ أهلك الناس اللبن فكلُّهم يعدو بقوس وقَرَنْ

وإذا تنازت السفهة، قلت الرفاهة، واحتاجوا إلى حفظ أموالهم وجمع مواشيهم ونعمهم خوف الغارة. ووقت طلوعها وسقوطها محمود. يقال:(ما امتلأ وادِ من نوء الجبهة ماءً إلاّ امتلأ عشباً). وقالوا: إذا طلعت الجبهة انكسر الحر وامتد الظمأ، وتباعدت الإبل في مراعيها، ويكثر الكرش ويغلظ، فيمسك الماء، ويطول لذلك ظمؤها، وإذا قصر الظّمأ رعت حول الماء. ومن امثالهم: "اللقوح الربعية مالٌ وطعامٌ"، يضرب مثلاً لسرعة قضاء الحاجة، واللقوح: الناقة ذات اللبن والربعية: الناقة التى تنتج في الربيع،
وهو أول النتاج، أرادوا أنها طعامٌ لسرعة النتاج، يعنى الانتفاع بلبنها، وهي في الأصل مال، وهي لقحةٌ ولقوح والجمع لقاح، قال الراجز:

إذا رأيت أنجماً من الأسد جبهته أو الخراة والكتد
بال سهيلٌ في الفضيخ ففسد وطاب ألبان اللقاح وبرد

(الخراة)، نجم من الأسد، و (سهيل) يطلع بالحجاز مع طلوع الجبهة. ومع طلوعها يذهب البسر ويصير رطبا. و (الفضيخ) يتخذ من البُسر. فلما كان الفضيخ ينقطع مع طلوع سهيل، والشراب يفسد بأن يبال فيه، فقد جعل سهيلا كأنه بال فيه.
قال ابن باتة السعدي يمدح الخليفة القادر بالله:

جَادَ قَصر السلامِ نوءٌ من الجب هةِ يَنفي حنَّانَةً زعزوعَا
صَنعٌ لا يزالُ بالطَلِّ والوب لِ الى أَنْ تَرى المصيفَ رَبيعَا

قال القاضي التنوخي من قصيدة طويلة تأتي على اسماء النجوم والأنواء:

كأنّما النثرة أثر نَمَشٍ أو كَلَفٍ على الخدود قد علا
كأنّما الجبهة في آثاره سيل على آثار عقب قد سرى
كأنّما الزُّبرة حبّان فذا من سائر الناس بذا قد اكتفى
كأنّما الغَفر جناحٌ مائلٌ أو عُنُقٌ نحو حديثٍ قد صغا
كأنما الاكليل اكليل على رأس عروسٍ يوم عرسٍ تُجتلى

وقال بشر بن ابي حازم:

باتَت لَهُ العَقرَبُ الأولى بِنَثرَتِها وَبَلَّهُ مِن طُلوعِ الجَبهَةِ الأَسَدُ

جاء في رسائل اخوان الصفا: في الجبهة اعمل نيرنجات الإطلاق، وحل عقد الشهوة والسموم خاصة، واعمل فيه الطلسمات، ولا تدبر فيه الصنعة، ولا تدع فيه بالروحانية، ولا تعالج من الأرواح وغيرها، وادخل فيه على الملوك واسع في حوائجهم، واتصل فيه بالأشراف والإخوان، واحصد فيه وازرع، ولا تكتل غلتك فإن من اكتال فيه غلة سرقها منه اللصوص أو سرقوا ثمنها، وتزوج في هذا اليوم فإنه يوم محمود العاقبة، واشتر فيه الرقيق والدواب، وسافر فيه، وافتتح فيه الحرب فإن فيه الظرف والسلامة. قال: ومن ولد في هذا اليوم إن كان ذكراً كانً داهية مكاراً ذا حيل وخدائع؛ وإن كانت أنثى كانت حظية عند الرجال، غالبة الشهوة، شديدة الحرص عليهم، مستورة الحال.
ولأن الجبهة في كوكبة الأسد فالمدينة اليونانيّة نيميا وحدها تشكر البطل هرقل، الذي خلّصها من الأسد الضاري الذي كان يسكن احدى مغاراتها، وكان يقضّ مضاجع سكّان المدينة، كما يشكرون الربّ زيوس الذي ابعده عنهم، وحوّله الى كوكبة في السماء.