العلم والعلماء أيام الفاطميين [ القاهرة ]



لم يخل ميدان العلم البحث من مساهمة العلماء المصريين ممن نبغوا في الطب والفلك والكيمياء وعلم البحار والرياضيات وعلم طبقات الأرض وفن الحرب... الخ ومن هؤلاء على بن رضوان، وعلى بن يونس وابن الهيثم، وعلى ابن النفيس، وغيرهم.
اشتهر العلامة ابن يونس بالرياضيات والفلك في العصر الفاطمي وكان لأرصاده الفلكية وبحوثه العلمية أثر هام في علم الفلك. أما أبو الحسن على بن رضوان ابن علي بن جعفر طبيب القاهرة المشهور، فقد ولد في الجيزة (980م) وتوفي حوالي 1061م. وكان أبوه فرانا ولاقى في تعلمه أهوالا حتى برع في الطب. وله مخطوطان في الطب بدار الكتب المصرية أحدهما بعنوان" في دفع مضار الأبدان بأرض مصر" وقد زاول صناعة الطب في القرن الحادي عشر رئيسا للأطباء في عصر الحاكم بأمر الله (996 -1020) والظاهر والمستنصر بالله. ولابن رضوان ما يقرب من التسعين بحثا في الطب، أهمها كتاب الأصول في الطب، وهو محفوظ بدار الكتب المصرية. وعلم ابن رضوان نفسه ولم يتلق الطب عن أستاذ، ولذلك نجده يفخر دواما بذلك. وقد تبادل المسجلات والمناقشات الطبية مع ابن بطلان الطبيب النصراني البغدادي.
وممن ازدهر ميدان الطب بهم في مصر الطبيب على بن النفيس الذي كان فيما بعد رئيس الأطباء في مارستان قلاوون بالقاهرة والمتوفي سنة 687هـ(1288). وقد كان إلى جانب اشتغاله بالطب من البارزين في العوم الدينية واللغوية والأدبية في عصره. وكتب ابن النفيس شرحا لتشريح ابن سينا، وصلت الينا نسخة مخطوطه منه، وقد وضح من دراستها أن هذا الطبيب المصري اهتدى إلى حقيقة الدورة الدموية الصغرى "دورة الدم من البطين الأيمن في القل إلى الرئتين ثم إلى البطين الايسر"قبل أن يكتشفها الأوربيان ميشيل سرفت Michel Serfer سنة 1556 وريالدو كولومبو، ونذكر أيضا الطبيب أحمد بن محمد البلوي (ت 991م) والطبيب محمد بن سعيد التميمي وهو صاحب مؤلفات كثيرة، ومن المسلم به عند المشتغلين بالطب وتاريخه أن أمراض العين كانت تعالج في مصر والشام في القرنين السادس والسابع بعد الهجرة (12 و13م) باسلوب علمي يفوق ما كان معروفا حينئذ في بلاد العالم.
أما أبو علي ابن الهيثم فكان أعظم علماء المسلمين في الفيزياء بل أعظم علمائها في العصور الوسطى ولولاه لما أتيح لعلم البصريات أن يصل إلى ما هو عليه الآن. وقد ترجم كتابه إلى اللاتينية سنة 1572 وأخذ عنه علماء أوربا معظم معلوماتهم لا سيما في موضوعات انكسار الضوء وتشريح العين وكيفية تكوين الصور على شبكية العين.
وقد كاد الشرق أن ينسى ابن الهيثم بعد أن وسم وكتبه بالزندقه. ويخبرنا أحد تلاميذ الفيلسوف الاسرائيلي ابن ميمون، وهو الحكيم يوسف السبتي، أنه كان ببغداد تاجر اسمه عبدالسلام الجيلي شهد احراق كتب أحد الفلاسفة، وقد أحضرها له خطيب ونصب له منبر ليشرف على إحراقها، فلما وصل إلى كتاب الهيئة لابن الهيثم أشار إلى الدائرة التي مثل بها الفلك ووصفها بأنها الداهية، والنازلة والصماء، والمصيبة العمياء، وبعد أن أتم كلامة خرقها وألقاها إلى النار.
ومن أطباء العصر الفاطمي موسى بن العازار طبيب المعز لدين الله وكان عالما بصناعة العلاج وتركيب الأدوية وطبائع المفردات، والطبيب علي بن سليمان الذي عاصر ثلاثة خلفاء من الفاطميين، هم العزيز بالله والحاكم بأمر الله والظاهر، له تصانيف شتى منها "كتاب الحاوي" في الطب وكتاب " الأمثلة والتجارب" و "كتاب التعاليق الفلسفية" وغيرها. ونذكر الكحال ( طبيب العيون) ابن القاسم عمار بن علي اشتهر طبيبا للعيون في القاهرة ويعتبره العلماء في طليعة الكحّالين في العالم الإسلامي، ومعاصره الكحال علي بن عيسى، والطبيب اليهودي سلامة بن رحمون أبو الخير، قال عنه الرحالة أبو الصلت: أنه من رأيته منهم (يقصد أطباء مصر)، وأبو يعقوب إسحق بن ابراهيم طبيب الحاكم بأمر الله الخاص.
ومن أشهر ومن أشهر أطباء العصر الفاطمي أبو الحسن سهلان بن عثمان (Sahlan) وكان عالما وطبيبا حاذقا، وقد علا جتهه في أيام العزيز بالله واقتنى المال الجزيل وقد توفاه الله عام 996م. ومن أعيان الأطباء ابن مقشر، وداود بن أبي البيان وماسوية المارديني الصيدلي وأبو عمران موسى بن ميمون، وأبو الوفاء المبشر بن فاتك الذي كان من أفاضل علماء مصر (توفي في نهاية القرن الحادي عشر) وقد أجاد العلوم الرياضية والحكمية كما اشتغل بالطب ولازم زميله الطبيب على ابن رضوان. وللمبشر بن فاتك مجموعة من الأمثال نسبت إلى قدماء الحكماء عنوانها"مختار الحكم ومحاسن الكلم"، جمعها هذا الحكيم في القرن الحادي عشر وترجمت هذه المجموعة إلى الأسبانية تحت عنوان "قطع الذهب". (Los Brocados De Oros ) وصدرت عدة طبعات منه ومترجمات، أقدمها طبعة أشبيلية بالأسبانية سنة 1495م وطبعة سلمنكا سنة 1499م كما ترجم إلى اللاتينية والفرنسية.
أما الترجمة الانجليزية لهذا الكتاب الفريد فقد صدرت طبعتها في 18 نوفمبر عام 1477 أي منذ 498عاما، طبعه وليم كاكستون (William Caxton) رائد الطباعة في انجلترا. والجدير بالذكر أن الذي ترجم الكتاب الأيرل ريفرز (Earl Rivers) واسم الكتاب "أمثال الفلاسفة وحكمهم" وقد ظلت المؤلفات التي غذاها هذا الكتاب العربي ذات أثر في عالم الفكر في أوربا الغربية أكثر من أربعة قرون.
وقد ازدهرت مصر في أيام الفواطم بطائفة من علماء كتابة التاريخ، وعلى رأسهم المسبّحى (977 -1039م) وكان من أقطاب رجال الدولة الفاطمية. تولى الوزارة أيام الحاكم بأمر الله ونال حظوة لديه ، وشغل عدة مناصب هامة أخرى. ألف في تاريخ مصر عدة كتب، منها تاريخه الكبير المسمى"أخبار مصر" الذي لم يصل إلينا ولكن ذكر ابن خلكان عن رؤية ومعاينة أن تاريخه "بلغ ثلاثة عشر ألف ورقة".
وقد كتب أوتيقيوس بطريرك الاسكندرية المتوفي عام 939م والمعروف باسم سعيد بن البطريق (ت940) عدة كتب تاريخية أبرزها كتابه المشهور "نظم الجوهر، أو التاريخ المجموع على التحقيق والتصديق" كما صنف عددا آخر من المؤلفات الطبية.
ونذكر بين عداد المؤرخين المصريين: القضاعي والجواني وأبو صالح الأرمني وابن عبدالظاهر صاحب " الروضة البهية الزاهرة والسيرة الظاهرية" وابن المتوّج "مؤلف ايقاظ المتغفل واتعاظ المتأمل"، وابن الجيعان المتوفي في أواخر القرن الثامن واضع كتاب " التحفة السنية" بأسماء البلاد المصرية. وهو عبارة عن ثبت للاقاليم والبلاد المصرية وذكر زماماتها وأنواع أراضيها من رزق وأحباس وغيرها وذلك حتى (777هـ- 1375م) في عهد الملك الأشرف خليل بن قلاوون. وقد نشرت دار الكتب المصرية هذا الكتاب سنة 1898م 1.
1 : عبد الرحمن زكي، حواضر العالم الإسلامي في ألف وأريعمائة عام: القاهرة منارة الحضارة الإسلامية، القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1979، ص 38- 43.