وصف بيمارستان السلطان قلاوون [ القاهرة ]



السلطان المنصور قلاوون هو البناء الأول في أسرة آل قلاوون التي حكمت حوالي المائة سنة، وقد حكم المنصور قلاوون حتى توفي وهو في السبعين وكان ذلك في 10 نوفمبر 1290. مات وقد خلف طائفة من العمائر النادرة التي رصع بها حي الجمالية، نذكر منها مدرسة الجليلة وقبته أي ضريحه وأخيراً بيمارستانه الفريد (مستشفاه)، الذي كان مفخرة العالم الإسلامي.
بدئ في بناء البيمارستان في أول ربيع الثاني سنة 683هـ (1284)، وتم إنشاؤه بعد ثمانية أهر، وما زال جزء منه قائماً إلى اليوم، وقد جدد عام 726هـ (1326) أيام الملك الناصر محمد بن السلطان قلاوون، وجدده مرة أخرى الأمير عبد الرحمن كتخدا. وصفه المؤرخ المقريزي: إنه دار ذات إيوانات أربع وصحن واسع، ولما أنجزت عمارتها وقف عليها الملك المنصوري. وقال: قد وقفت هذا على مثلي فمن دوني وجعله وقفاً على الملك والمملوك والجندي والأمير والكبير والصغير والحر والعبد والذكور والإناث. ورتب فيه العقاقير والأطباء وساير ما يحتاج إليه من به مرض من الأمراض، وجعل به فراشين من الرجال والنساء لخدمة المرضى، وقرر لهم المعاليم ونصب الأسرة للمرضى وفرشها بجميع الفرش المحتاج إليها في المرض، وأفرد لكل طائفة من المرضى موضعاً، فجعل أواوين الماريستان الأربعة للمرضى بالحميات ونحوها، وأفرد قاعة لمرضى الرمد، وقاعة للجرحى وقاعة لمن به إسهال وقاعة للنساء، ومكاناً للمبردين، يقسم بقسمين، قسم للرجال وقسم للنساء. وجعل الماء يجري في جميع هذه الأماكن وأفرد مكاناً لطبخ الطعام والأدوية والأشربة، ومكاناً لتركيب المعاجين والأكحال والشيافات ونحوها. ومواضع يخزن فيها الحواصل. وجعل مكاناً يفرق فيه الأدوية والأشربة، ومكاناً يجلي فيه رئيس الأطباء لإلقاء دروس الطب ولم يحص عدد المرضى بل جعله سيلاً لكل من يرد عليه من غني وفقير. ولم يحدد مدة لإقامة المريض به بل يرتب منه لمن هو مريض بداره سائر ما يحتاج إليه. وقد أوقف عليه الملك المنصور من الأملاك بديار مصر وغيرها ما يقارب ألف ألف درهم في كل سنة".
وقد عمل في هذا المستشفى عدد كبير من أشهر أطباء مصر، نذكر منهم ابن الأكفاني محمد بن إبراهيم عمر بن منصور بن عبد الله السراج (ت1431) عبد الوهاب ابن محمد تاج الدين الساوي (ت1447) زين الدين عبد المعطي كبير جراحي الماريستان، شاب الدين بن الصايغ، مدين بن عبد الرحمن القيسوني وغيرهم.
وعندما زار الرحالة ابن بطوطة مصر في عام 727هـ /1327، شاهد الماريستان الذي بين القصرين عند تربة الملك المنصور قلاوون، فيعجز الواصف عن محاسنه، وقد أكد أن فيه من المرافق والأدوية ما لا يحصى ويذكر أن مجباه ألف دينار كل يوم".
وقد ذكر هذا المستشفى كثير من الرحالة الأجانب الذين وفدوا إلى مصر في القرنين الرابع عشر والخامس عشر، والجدير بالذكر أن الملوك والأمراء تعهدوا هذا المستشفى الجليل بالعمارة والإصلاح والتجديد والإنفاق عليه بسخاء إلى أيام حملة بونابرت. وبالرغم مما أدخل على العلاج الطبي الحديث في مصر خلال القرن التاسع عشر فقد استمرت أبواب الماريستان مفتوحة حتى بداية القرن الحالي إلى مستشفى للرمد ويعرف اليوم بمستشفى قلاوون، فهو إذن أقدم مستشفيات العالم 1.
1 : عبد الرحمن زكي، بناة القاهرة في ألف عام، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1986، ص 40- 42.