ذكر الجامع الأزهر وبنائه [ القاهرة ]



قال ابن ظهيرة عن الجامع الأزهر وبنائه: ثم اختط جوهر المذكور بالقاهرة الجامع الأزهر بعد إقامته بها نحواً من ثلاث سنين قبل دخول المعز إليها، فهو أول بيت وضع للناس بها، وفرغ من بنائه لسبع خلون من رمضان وأقيمت فيه الجمعة في رمضان سنة إحدى وستين وثلاث مئة. ولما ولي العزيز بن المعز جدّد فيه أشياء وعمر به عدة أماكن، قال الزركشي: قال الشيخ شمس الدين الجزري، ومن خطه نقلت، من كتابه "الجمان": يقال إن به طلسماً ألا يسكنه عصفور ولا يفرخ فيه، وعلّوا منارته في أيام قاضي القضاة صدر الدين موهوب الجزري، وكان فيه تنوران فضة، فلما احترقت مصر في سنة أربع وستين وخمس مئة تغيرت هذه المعالم. واستمرت الخطبة في الجامع الأزهر حتى بني الجامع الحاكمي في سنة ثلاث وتسعين وثلاث مئة. فخطب به وانقطعت الخطبة من الجامع الأزهر في مئة سنة، لأن الغز ملكوا مصر. واستولوا عليها في سنة أربع وستين وخمس مئة.
فلما ملك الظاهر ركن الدين بيبرس الديار المصرية أمر بإقامة الجمعة بالجامع الأزهر، وكان ذلك في سنة خمس وستين وست مئة، وأفتى قاضي القضاة تاج الدين بن بنت الأعز على أنه لا يجوز إقامة جمعتين، وأفتى قاضي القضاة شمس الدين الحنبلي بالجواز، وتوقف الناس في ذلك لإضرار القاضي تاج الدين. ثم أقيمت فيه الجمعة ثامن وعشرى ربيع الأول سنة خمس وستين وست مئة، وحضر الصلاة به الصاحب بهاء الدين بن حنا وجماعة من الفقهاء والأمراء وصلى السلطان في ذلك اليوم بالقلعة.
وذكر المقريزي هذه القصة بأبسط من ذلك فقال: وفي يوم الجمعة ثامن عشر ربيع الأول من سنة خمس وستين أقيمت الجمعة بالجامع الأزهر من القاهرة، وكانت قد بطلت منه منذ ولي قضاء مصر صدر الدين بن عبد الملك ابن درباس عن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب إلى أن سكن الأمير عز الدين أيدمر الحلي بجواره، فانتزع كثيراً من أوقاف الجامع الأزهر، كانت مغصوبة بيد جماعة، وتبرع له بمال جزيل، وأطلق له من السلطان جملة من المال وعمر الواهي من أركانه وجدرانه، وبيضه وبلطه، ورم سقوفه، وفرشه واستجد به مقصورة، وعمل فيه منبرا، فتنازع الناس فيه هل تصح إقامة الجمعة فيه أولا ؟
فأجاز ذلك جماعة من الفقهاء، ومنعه قاضي القضاة تاج الدين بن بنت الأعز وغيره، وصمم على المنع، فعمل الحلي بفتوى من أجاز ذلك، وأقام فيه الجمعة، وسأل السلطان أن يحضر، فامتنع من الحضور ما لم يحضر قاضي القضاة تاج الدين، فحضر الأمير الأتابك، والصاحب بهاء الدين بن حِنا، وعدة من الأمراء والفقهاء، ولم يحضر السلطان ولا قاضي القضاة تاج الدين. وعمل الأمير بدر الدين بيلبك الخازندار بالجامع مقصورة، ورتب فيها مدرساً وجماعة من الفقهاء على مذهب الإمام الشافعي، ورتب محدثاً يُسمِع الحديث النبوي، ورتب سبعة لقراء القرآن العظيم، وعمل على ذلك أوقافاً تكفيه 1.
1 : ابن ظهيرة، جمال الدين محمد بن محمد، الفضائل الباهرة في محاسن مصر والقاهرة، تحقيق كامل المهندس ومصطفى السقا، القاهرة: وزارة الثقافة، 1969، ص 182- 184.