ذكر خط منشأة المهراني [ القاهرة ]



خط منشأة المهراني، وهو الخط الثاني، أنشأه سيف الدين بلبان المهراني ناظر اصطبلات الملك الظاهر بيبرس في سنة 671هـ- 1272 وكانت تقع عند كلية طب قصر العيني ويحدها من الجنوب فم الخليج ومن الشرق الخليج المصري ومن الشمال شارع بستان الفاضل ومن الغرب خور منيل الروضة 1. وتلي منشأة المهراني موردة الحلفا وكانت من أهم متنزهات مصر في العصرين المملوكي والعثماني وذلك لوقوع الاحتفال بمهرجان وفاء النيل وكسر سد الخليج بها. ظهرت أرض منشأة (منشية) المهراني أول مرة نتيجة انحسار النيل بعد سنة 500 هـ/1106م، وقد عمرت في زمن الدولة الأيوبية حيث أقام القاضى الفاضل عبدالرحيم بن علي البيساني جامعا وبستانا عظيما بها، وعمرت الدور حينئذ بجوار الجامع فقيل لها منشأة الفاضل، وكان بستان الفاضل يغذى القاهرة بالعنب والثمار، وظلت المنشأة عامرة حتى طغى النيل عليها فخبت سنة 660هـ/1262م.
وقد عين "المقريزي" موقع منشأة المهراني وتحدث عن تعميرها في العصر المملوكي فقال: "أن موضعها فيما بين النيل والخليج وفيها من الحمراء القصوى فوهة الخليج، انحسر عنها ماء النيل قديما وعرف موضعها بالكوم الأحمر من أجل أنه كان يعمل فيها أقمنة الطوب، فلما سأل الصاحب بها الدين بن حنا الملك الظاهر بيبرس في عمارة جامع بهذا المكان ليقوم مكان الجامع الذي كان بمنشأة الفاضل أجابه إلى ذلك وانشأ الجامع بخط الكوم الأحمر، وأنشأ هناك الأمير سيف الدين بلبان المهراني دارا وسكنها وبنى مسجدا فعرفت هذه الخطة به وقيل لها منشأة المهراني، فإن المهراني المذكور أول من ابتنى فيها بعد بناء الجامع، وتتابع الناس في البناء بمنشأة المهراني وأكثروا من العمارة حتى يقال أنه كان بها فوق الأربعين من أمراء الدولة سوى من كان هناك من الوزراء وأماثل الكتاب وأعيان القضاة ووجوه الناس، ولم تزل على ذلك حتى انحسر الماء من الجهة الشرقية فخربت وبها الآن بقية يسيرة من الدور.
وذكر "المقريزي" المنشية وعين حدودها وما يجاورها في مواضع أخرى في الخطط. وذكر "ابن دقماق" منشية المهراني ففي كلامه عن الروضة قال "أن جامع الفخر (جامع قايتباى حاليا) بآخر الروضة عن المنيل تجاه طرف منشية المهراني" وكذلك ذكر " ابن دقماق" أسماء العديد من المساجد والمدارس التي بنيت في منشية المهراني، وذكر أيضا أن الملك الظاهر بيبرس أمر بعمل جامع بها سنة 671هـ/1272م ولكن المؤرخ " ابن تغرى بردى" ذكر أنه قد أقيمت الخطبة بجامع الظاهر هذا يوم الجمعة ثامن عشر من شهر ربيع الآخر سنة 669هـ/1270م.
وقال "القلقشندي" عن منشأة المهراني أيضا " ويبدو في آخر الفسطاط وهذه الجزيرة (يقصد الروضة) على فوهة خليج القاهرة حيث السد الذي يفتح عند وفاء النيل مكان كالجزيرة يعرف بمنشأة المهراني، وكان كوما يحرق فيه الآجر يعرف بالكوم الأحمر عدة القضاعي في جملة كيمان الفسطاط، وقال صاحب ايقاظ المتغفل وأول من ابتدأ العمارة يلبان المهراني في الدولة الظاهرية بيبرس فنسبت المنشأة هذه إليه".
ومن خلال ما ذكر نقول أن منشأة المهراني تشغل اليوم المنطقة التي تحد اليوم من الغرب بسيالة الروضة ومن الجنوب بميدان ومنتزه فم الخليج اللذين حلا محل فم الخليج المصري، والحد الشرقي يتمثل في خط يصل بين شارع العيون جنوبا حتى أول شارع المنيرة شمالا، والحد الجنوبي يتمثل في شارع بستان الفاضل وما في امتداده أي شارع الدكتور حندوسة (شارع مستشفى اللادى كرومر سابقا) حتى كوبرى القصر العيني (كوبرى محمد علي سابقا). وكانت منشية المهراني عامرة عمارة كبيرة في العصر المملوكي، وكانت تحوى مساجد ومدارس كثيرة، وحمامات عامرة مثل حمام ابن الحوافر المتوفى 657هـ، وخانقاوات مثل خانقاة ارسلان الدوادار المتوفي 717 هـ/ 1317م ، وكان للسلطان الملك المؤيد شيخ معصرة في منشأة المهراني لاستخلاص السكر والعسل.
وكانت منشية المهراني تتعرض أحيانا للخراب في المحن والأزمات التي حلت بمصر نتيجة نقص النيل وطغيان الرمال على السواحل بالإضافة للفتن والقلاقل التي قامت بها طوائف المماليك، ومن أكبر هذه الأزمات الأزمة التي حدثت سنة 806هـ/1403م وما تلاها، ولكن سرعان ما عاد العمران إليها مرة أخرى وخاصة لما قام الملك المؤيد شيخ بحفر النيل، ومن أجل حماية المنشية عمل المؤيد جسراً بطولها عند الحفر.
ومن الأعمال العظيمة بالمنشأة ما قام به الأمير جاني بلك نائب جده الدوادار، وفقد أنشأ بستانا عظيما كان محله كوم وبركه، وقد انتهى منه بعد شهرين فقط وكان ذلك في شهر ربيع الأول 863هـ، وقد كان كوما خبيثا تتم به بعض الأمراض الاجتماعية التي كانت سائدة في ذلك الوقت من استعماله لأمور الفساد وشرب المسكرات فصار بستانا نزها، وفي سنة 867هـ/1462 أكمل زراعة البستان وجعل به بحيرة، وكان هذا البستان يقع شمال منشأة المهراني وكانت مساحته 150 فدانا، وكان له باب قريب من خط قناطر السباع (السيدة زينب حاليا) وباب آخر على النيل تجاه الروضة، وعمل جاني بك بطرف بستانه على النيل قبتين واحدة كبيرة والأخرى صغيرة، وعمل رصيفا على النيل، وانزل بالقبتين جماعة من صوفية الأعاجم وأجرى عليهم الرواتب الهائلة وأوقف عليهم أوقافا كثيرة، وقد أقام جاني بك احتفالات كبيرة ببستانه وقبتيه، وقد استخدمت تلك القبتان كمتنزه عظيم بقية العصر المملوكي وطوال العصر العثماني.
وعمرت المنشأة عمارة عظيمة وهوت إليها القلوب والأفئدة للتنزه والاستمتاع بأوقات حسنة خصوصا بعد أن أنشأ بها الأمير شهاب الدين أحمد بن العيني قصرا عظيما يطل على النيل بجوار بستان جاني بك بجوار القبتين في سنة 871هـ/1466م، وكان هذا القصر والبساتين حوله وقبتا جاني بك متنزهات عظيمة للسلاطين والولاة والأمراء والناس جميعا في العصرين المملوكي والعثماني.
وقد غلب اسم قصر العيني على المنطقة منذ ذلك الوقت وحتى الآن، وكان السلطان قايتباى (872 -901هـ/1468 - 1496م) كثير التنزه بالمنطقة وقد أمر باصلاح جامع يسمى جامع الرحمة ببستان نائب جدة.
وفي العصر العثماني كان القصر العيني محطة استقبال لولاة مصر العثمانية، وعمرت قبتا جاني بك طول العصر، واستخدمت كتكية عظيمة لطائفة المتصوفة البكتاشية، وكانت منطقة القصر العيني من المناطق المفضلة لسكنى العديد من الأمراء ذوى النفوذ في القرن 11هـ/17م وكانوا يدعون الباشا إلى هناك لحضور حفلات باذخة، وقرب نهاية القرن كان يأتي للاقامة هناك الباشوات المعزلون أو الحديثو التعيين بدلا من الاقامة داخل القاهرة.
وقد أجريت على القصر العيني عدة عمارات ففي سنة 1083هـ/1672م أنشأ والى مصر إبراهيم باشا كتخدا الوزير قصرا في الركن الجنوبي، كما ضم إليه الوالي عبدالرحمن باشا قصرا آخر في سنة 1088هـ/1677م. كما كانت المنطقة تحتوى في النصف الثاني في القرن 11هـ/17 على ثلاثة واربعين مقعدا أو منظرة تطل على النيل كما ذكر الرحالة التركي أوليا شلبي. وقد ذكر علي مبارك في خططه أن تكية القصر العيني فيها قبتان مفروشتان بالرخام والترابيع (وهما قبتا جاني بك)، وقد ألحق حسين قبودان بإحدى القبتين سبيلا سنة 1197هـ/ 1783م وكان للتكية فدانان فيهما النخيل والأشجار، وفي سنة 1201هـ/1787م عمر التكية حسن باشا فبنى أسوارها وأسوار الغيطان الموقوفة عليها المحيطة بها وأنشأ بها صهريجا وأنشأ بجانبها مصلى.
وفي أثناء الحملة الفرنسية على مصر ( 1213 -1216هـ/1798 -1801م) حولوا القصر إلى مستشفى وزوده بالحصون، ثم أقام محمد علي باشا قشلاق للجند في سنة 1228هـ/1812م ومبنيين بعد ذلك سنة 1253هـ/1837م وجعل كل ذلك مستشفى. وبالنظر إلى خريطة الحملة الفرنسية للموقع نجد أن منشية المهراني عبارة عن أراضي زراعية وبساتين يتوسطها القصر العيني وبيوت قليلة حوله مثل بيت مصطفى بك شمالا وبيت محمد كاشف الأرناووط جنوباً 2.
1 : أ- عبد الرحمن زكي، موسوعة مدينة القاهرة في ألف عام، القاهرة: مكتب الأنجلو المصرية، 1987، ص 370- 371.
2 : ب- د. محمد الششتاوي، متنزهات القاهرة في العصرين المملوكي والعثماني، القاهرة: دار الآفاق العربية، 1999، ط1، ص 34- 39.