سبيل السلطان قانصوه الغوري [ القاهرة ]



أنشأه السلطان المملوكي قانصوه الغوري (1501 -1516م) ملحقاً بمجموعة معمارية هائلة استمر بناؤها سنتين من 1503 -1504م وتشمل قبة ضريحية ومقعد سكني وخانقاه وسبيل. والسلطان الغوري هو الملك الأشرف أبو النصر قنصوه بن بردى الغوري الجركسي الأصل. ولد حوالي سنة 1446م (850هـ). كان من مماليك السلطان قايتباى. تولى وظائف كبرى في البلاط السلطاني ووصل الى وظيفة استادار وتولى السلطنة سنة 1501م وقتل في موقعة مرج دابق بالشام شمال حلب سنة 1516 اثناء تصديه لجيش السلطان سليم الاول العثماني عند زحفه للاستيلاء على مصر.
يحتل السبيل الزاوية الشمالية الغربية من الخانقاه، ويطل على شارع الأزهر من الشمال وعلى شارع المعز لدين الله من الغرب حيث يبرز جداره الغربي عدة أمتار عن مستوى جدار الخانقاه والقبة، وقد لجأ مصمم هذه المجموعة المعمارية إلى ذلك حتى يتمكن من عمل شباك لتسبيل الماء للشرب في جدار السّبيل الجنوبي مطلا على السّلم الصّاعد الذي يؤدي الى مدخل الخانقاه والقبة الضريحية لتسهيل حصول الداخلين اليهما على ماء الشرب.
قال الرّحالة التركي أوُليا جَلَبي الذي أقام في القاهرة من سنة 1672 إلى سنة 1680 زار خلالها السّودان والحبشة 1 أنه كان في القاهرة أربعة آلاف سبيل منتشرة في مختلف أحياء القاهرة وعلى رؤوس الحارات.. وأضاف أن اظرف الأسبلة هو سبيل السلطان الغوري واكثرها ازدحاماً لوقوعه في السوق السلطانية. وقال أن فيه أربعة من الخدم يصرفون الماء للظمآنين من الصباح حتى وقت الغروب وأن صهريجه يسع عشرين ألف حمل بعير من الماء وأن جوانبه مكسوّة بالرصاص! وذلك سبب لذة مائة". وواضح من رواية أولياء جَلَبي أنه استمع الى هذه المعلومة التي تبدو شبه خيالية حسب الامكانات المتاحة في زمن إنشاء صهريج سبيل الغوري 1503 - 1504 م وَسجّلها في كتابه دون تدقيق.
وعندما خضعت المجموعة الأثرية الملحق بها السبيل، وهي الضريح والخانقاه والمقعد والسّبيل نفسه، لأعمال الاصلاح والترميم، قامت مجموعة العمل الهندسية بالبحث عن موضع الصهريج وتبين أن فوهته توجد خلف غرفة التسبيل وتبين وجود سلم حلزوني مغطى بأكوام من المخلفات وبرفعها وُجد أن السلم مغمور جزئيا بالمياه وأنه يوصل الى الصهريج. قامت المجموعة بانزال غواص محترف لاستكشاف حالة الصهريج ورفعه معماريا، وتبين أنه يمتد إسفل المجموعة الأثرية في جوف الأرض محاذيا لشارع الأزهر بطول 19.10م وعرض يتراوح من 3.50م الى 8.0م وارتفاع من 6.25م الى 9.20م. ووُجد أن ارتفاع الماء داخل الصهريج يصل الى 5.20 م وهي خليط من المياه الجوفية ومياه الصرف الصحي. وكشفت اعمال الرفع أن الجزء الأول من الصهريج يفضى الى فراغ يمتد مثل النفق 3.50م وارتفاع 6.25 م مغطى بقبو نصف برميلي، وأن فوهة الصهريج (بيارة تزويده بالماء) توجد خارج هذا النفق خلف غرفة التسبيل جهة شارع الأزهر.
وجاء بتقرير المجموعة الهندسية أنها وجدت أن الدعامات والعقود الحجريّة والمونة اللاّحمة في الصهريج بحالة جيدة والبياض الأصلي سليم. وهكذا نرى أن جدران الصهريج غير مكسوة برقائق الرصاص كما تخيل الرحالة أوليا جَلَبي وسجل ذلك في كتابه سياحتنامه مصر 2، وكان الأوفق له أن يذكر أن لذة ماء السبيل وعذوبته راجع الى أنها مجلوبة من نهري النيل.

من أيى عهد في القرى تتدفق
وبأى كف في المدائن تغدق

ويخضع الصهريج لأعمال المعالجة لاعادته الى طابعه الأثرى ويتم تغيير المياه المختزنة داخل الصهريج بعد وقف تسرب ماء الصرف اليه بالتدريج بدون تخفيض منسوب هذه المياه المختزنة بحيث يتم السحب من مستوى قاع الصهريج واضافة الماء النقي من أعلى حتى يصل الماء الى مستوى قياسي من النقاء يساعد على انهاء أعمال التوثيق والأصلاح وحماية بياض الجدران والمونة الرابطة. والهدف في النهاية هو إعادة تشغيل السبيل والأسبلة الأخرى التي كشف عن الصهاريج أسفلها باستخدام أجهزة سحب المياه من الصهريج ودفعها الى الحواصل والشذروان وشبابيك التسبيل ثم صرفها مرة أخرى إلى الصهريج بحيث يأخذ الماء دورة من الصهريج الى شبابيك التسبيل والعكس ليس بغرض شرب المارة ولكن لتكون مزارات سياحية تعكس للناس جانبا هاما من جوانب الحياة في القاهرة في القرون الوسطى 3.
السبيل مستطيل الشّكل يعلوه كُتّاب لتعليم الأطفال وله ثلاثة شبابيك لتسبيل ماء الشرّب للمارة يغشيها جميعا مصبعات من النحاس عند قواعدها السّفلية الخارجية كوابيل من الحجر تحمل ارفف من الرخام كانت مخصصة لوضع طاسات وكيزان الشرب. أحد هذه الشبابيك يطل على شارع الأزهر، والثاني على شارع المعز لدين الله في مواجهة جامع الغوري، والثالث على مدخل الخانقاه والقبة الضريحية. ورد ذكر سبيل الغوري ضمن الأسبلة التي أحصاها جومار وكانت قائمة بالقاهرة زمن الحملة الفرنسية 1798 -1801 في كتابه وصف مدينة القاهرة ص 212.
أرضية السّبيل مكسّوة بالرّخام الملون الجميل وسقفه من الخشب المُذهب، ويُدخل الى السّبيل من باب في الواجهة الشمالية المطلة على شارع الأزهر.
أورد علي مبارك في الخطط التوفيقية 4 نص حُجّة وقف مجموعة الغوري المعمارية بما فيها جامعة والمؤرخة في 20 صفر سنة 911هـ (1505) وتضمنت الوثيقة صرف الف درهم شهريا للمزملاتي وصرف جراية من خبز القمح يوميا تبلغ 788 رغيف يوميا وزن الرغيف رطل مصري الى موظفي الجامع والضريح والقبة والسبيل والكتاب، وصَرف مبلغ اثنان وستون الف درهم سنويا لملء صهريج السبيل في شهر طوبه وغسله وتنظيفه وتبخيره 5. السبيل قائم حالياً ملحق بالقبة الضريحية والخانقاه على ناصية شارعي الأزهر والمعز لدين الله بالدرب الأحمر 6 7.
1 : إرجع إلى كتابه: سياحتنامه مصر، ص 362
2 : نشرته دار الكتب المصرية مترجماً من اللغة التركية الى العربية سنة 2003.
3 : أوليا جلبي: سياحتنامه مصر، ترجمة محمد علي عوني. - القاهرة: دار الكتب، 2003.
4 : ج5 ص 148 -149
5 : أنظر: فرانسوا جومار، وصف مدينة القاهرة، ترجمة وتعليق أيمن فؤاد سيد ص 212. علي مبارك، الخطط التوفيقية، ج 5 ص 148 - 149. أبو الحمد فرغلي، الدليل الموجز ص 179 -183. وزارة الثقافة، القاهرة التاريخية ص 393 - 394.
6 : يتبع منطقة آثار شمال القاهرة ومسجل أثر برقم 66. ( خريطة 1 - الموقع م 5 ز ).
7 : فاروق عسكر، دليل مدينة القاهرة، الجزء الثالث، مشروع بحثي مقدم إلى موقع الشبكة الذهبية، أبوظبي: إبريل نيسان 2004، ص 248.