مشهد الإمام الحسين [ القاهرة ]



تم إنشاء مشهد الإمام الحسين في خلافة الخليفة الفاطمي الفائز بنصر الله سنة 1154م وأشرف على البناء الوزير الصالح طلائع بن رزيك ليدفن فيه رأس الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب بعد نقله من عسقلان بفلسطين الى القاهرة 1.. في سنة 1171م أنشأ صلاح الدين الأيوبي مدرسة بجوار الضريح عرفت باسم المشهد، وهي المدرسة التي هُدمت فيما بعد وبنى في مكانها الجامع الحالي.
في أواخر العصر الأيوبي وفي سنة 1235 م شرع الشيخ أبو القاسم بن يحيى بن ناصر السّكري المشهور باسم الزرزور في بناء مئذنة فوق باب المشهد المعروف حاليا باسم الباب الأخضر. وقد توفي أبو القاسم بن يحيى قبل أن يتم بناء المئذنة فاتمها ابنه سنة 1236م. وهي مئذنة حافلة بالزخارف الجصيّة. وقد تبقى من هذه المئذنة قاعدتها المربعة وعليها لوحتان تذكاريتان من الرخام تتضمن تاريخ بناء المئذنة واسم المنشىء. على احدى اللوحتين كتابة نصها" .. الشيخ الصالح المرحوم ابو القاسم بن يحيى المعروف بالزرزور ابتغاء وجه الله ورجاء ثوابه وكان تمامها على يدى ولده محمد سنة ثلاثة وثلاثين وست مائة عفا الله عنه" . وعلى الثانية كتابه بنفس المعنى تحمل تاريخ 634هـ. وقد تبقى من المشهد الأصلي الفاطمي - بالاضافة الى قاعدة المئذنة الأيوبية - أحد أبواب المشهد وهو المعروف باسم الباب الأخضر وهو مبنى بالحجر.
وقد اعتنى ولاة وحكام مصر في كل العصور بمشهد الامام الحسين وعمارته وتجديدة وزخرفته ووقفوا عليه أوقافا كثيرة للمحافظة عليه ونظافته واحترامه. ومن الأمراء والولاة العثمانيين الذين اعتنوا بالمشهد الحسيني وجددوه الوالي العثماني السيد محمد باشا الشريف 1595 -1597م والأمير حسن كتخدا عزبان الجلفي الذي قام سنة 1712م بتوسيع المشهد وصنع له تابوتا من خشب الابنوس المطعم بالفضة والصدف وفي سنة 1761 جدده الأمير عبدالرحمن كتخدا. وفي سنة 1789 قام أحد أعيان القاهرة وهو السيد علي أبو الأنوار بعمارة المشهد وتوسيعه واثبت ذلك على الباب الشمالي للقبة 2. المشهد الحسيني كائن حاليا بميدان الحسين بحي الجمالية 3 4.
1 : الإمام الحسين هو الحسين بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب ابن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي. ولد لخمس ليال خلون من شهر شعبان سنة 4 هجرية (645م). عرف الامام الحسين بأنه ريحانه جده لامه النبي محمد عليه الصلاة والسلام وشبيهه. أقام الحسين في المدينة المنورة ودعا الى نفسه بالخلافة بعد مقتل ابيه علي بن ابي طالب وكان له اتباع كثيرون. وبعد وفاة معاوية مؤسس الدولة الأموية سنة 680 م تولى الخلافة ابنه يزيد وارسل الى الامام الحسين ويطلب منه البيعة له، فانتقل الى مكة مع اتباعه. وارسل اليه أهل الكوفة يبايعونه على الخلافة فاتجه اليها ولكن جيش عبدالله بن زياد والى الكوفة الأموي قطع عليه الطريق وقتل الحسين في موقعة الطفا بالقرب من كربلاء في شهرالمحرم سنة 61هـ (680م) وقطع الأمويين رأس الحسين ودفنوا جسده ومن قُتل من أتباعه في كربلاء. ودفنت الرأس في عدة أماكن إلى أن استقرت في عسقلان بفلسطين ثم نقلت الى المشهد الحالي في القاهرة أيام الحروب الصليبية خوفا عليها حسب ما استقر عليه العديد من المؤرخين والرحالة.
2 : في سنة 1862 أمر الخديوي اسماعيل بتجديد المشهد وتوسيعه وبناء الجامع الحالي، وقد تم بناء الجامع سنة 1873، وتم بناء مئذنته الحالية على طراز المآذن العثمانية سنة 1878م. أورد علي مبارك وصفا كاملاً لجامع الحسين (الخطط. ج4. ص 183 -203) وقال أن الخديوي اسماعيل أمر بتجديده وتوسعته وتوسعة رحابه وطرقه. وقال علي مبارك " وندبني لعمل رسم للجامع يكون به وافيا لمقصده الحسن، فبذلت الهمة في ذلك .. وعملت له الرسم اللائق بعظيم شأنه". وأضاف أن الخديوي أوكل الى راتب بك ناظر ديوان الاوقاف ببناء الجامع ولكنه لم يجر البناء على ما رسمنا فجاء البناء غير قائم الزوايا ضلعه الايمن قصير عن ضلعه الأيسر، كما صار الجامع على سعته وارتفاعه غير مستوف لحقه من النور والهواء. ونقل الخديوي الى جامع الحسين مبنر خشب بديع من جامع أزبك الذي هدم عند اعادة تخطيط حي الأزبكية والعتبة سنة 1869. أنظر في ذلك: المقريزي؛ الخطط . ج1 ص 408، 427، ابن ميسر : أخبار مصر؛ ص 38. ابن جبير : رحلة ابن جبير . ص 14 : القلقشندي: صبح الأعشى ج3 ص 351. حسن عبدالوهاب: تاريخ المساجد ج1 ص 76 -93. علي مبارك: الخطط التوفيقية ، ج 3 ص 183 -203. كمال الدين سامح : العمارة الاسلامية في مصر. ص 29. أبو الحمد فرغلي: الدليل الموجز .... ص 242 -245.وفي سنة 1893 أمر الخديوي عباس حلمي الثاني ببناء غرفة في الناحية الجنوبية لقبة المشهد خصصت لحفظ الآثار النبوية الشريفة التي تشمل قطعة من قميص النبي محمد، ومكحلة ومرودين وقطعة من عصاه وشعرتين من اللحية الشريفة، بالاضافة الى مصحفين شريفين نسب أحدهما الى الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان، ونسب الثاني الى الخليفة الراشد الرابع علي بن أبي طالب. ذكر حسن عبدالوهاب (تاريخ المساجد ج1 ص 91-93) أن أول ما عُرف عن الآثار النبوية بمصر انها كانت ملك بنى ابراهيم في مدينة ينبع بالحجاز، ثم اشتراها الوزير الصاحب تاج الدين محمد بن حنا خضر الدين ونقلها الى مصر وبنى لها مسجداً عُرف باسم رباط الآثار في حي أثر النبي في مصر القديمة حاليا وذلك في اوائل القرن 14م . وفي سنة 1504 نقل السلطان الغوري الآثار النبوية الى جامعة بالغورية، وفي سنة 1858 نقلت الى مسجد السيدة زينب ثم الى القلعة باشراف ديوان الاوقاف. وفي سنة 1887 نقلت بأمر الخديوي محمد توفيق الى قصر عابدين حيث مقر الحكم ثم نقلت من القصر الى الجامع الحسيني سنة 1888 في موكب رسمي، ثم استقرت في مكانها الحالي بغرفة الآثار النبوية منذ سنة 1893م. وأهم ما تخلف من المشهد الأصلي تابوت مصنوع من خشب الساج الهندي عثر عليه الآثارى المصري حسن عبد الوهاب في سبتمبر سنة 1939 في حجرة أسفل أرضية الضريح وقام بوصفه وصفا شاملا وذكر أن التلف قد دب في اجزائه بعد أن ظل في مكانه هذا محتجبا عن الانظار حوالي ثمانية قرون. وقد قامت لجنة حفظ الآثار العربية بترميم هذا التابوت النادر ونقلته الى دار الآثار العربية (متحف الفن الاسلامي) في يناير سنة 1945 حيث يُعرض للزائرين منذ ذلك التاريخ. التابوت مسجل بمتحف الفن الاسلامي برقم 15025. مقاس التابوت 185×132×135 سم وهو مكون من ثلاثة أجناب ويوضع الجنب الرابع في مواجهة الحائط، وهو مقسم زخرفيا الى مستطيلات رأسية وافقية تتكون من حشوات هندسية نجمية وسداسية منفذة بالحفر البارز يفصل بينها أشرطة مملوءة بكتابات قرآنية منفذة بالخط الكوفي المزهر والبسيط وبخط النسخ الأيوبي وهو يشبه في اسلوب الحفر والزخرفة الى حد كبير تابوت الامام الشافعي المؤرخ 574هـ (1178م) في فترة حكم صلاح الدين الايوبي. وقد نسب حسن عبدالوهاب صناعة هذا التابوت الى عبيد النجار المعروف بابن معالي وهو صانع تابوت الامام الشافعي.وقد نال المشهد الحسينى وجامعه عناية الحكومة بعد ثورة يوليو سنة 1952 فتم توسيع ساحة الصلاة حتى بلغت 3340م2 وانشاء مبنى اداري للمشهد والجامع وأيضا مكتبة في الجهة الشرقية على امتداد القبة ومصلى للسيدات. وفي السنوات الأولى من ثمانينات القرن العشرين قامت هيئة الآثار المصرية باجراء أعمال ترميم وتجديد للمشهد الشريف والجامع الحسيني وهو التجديد الذي تم فيه تغيير طاقية قبة المشهد التي ترجع الى أعمال الأمير عبدالرحمن كتخدا التي اجراها بالمشهد سنة 1761. وللمشهد الحسيني مكانة خاصة عند المصريين بين مشاهد أهل البيت في مدينة القاهرة. وذكر علي مبارك (الخطط الجديدة ج4 ص 188 -189) أن المصريين يحتفلون بمولد الامام الحسين طوال شهر ربيع الثاني كل سنة وأسهب في وصف احتفالهم بذلك. واضاف انه في شهر شوال من كل سنة تحمل كسوة الكعبة الشريفة الى المشهد الحسيني بموكب حيث تخاط فيه ثم تحمل منه بموكب .
3 : الباب الاخضر والمئذنة مسجلان أثر برقم 28 ويتبعان منطقة آثار شمال القاهرة.
4 : فاروق عسكر، دليل مدينة القاهرة، الجزء الثالث، مشروع بحثي مقدم إلى موقع الشبكة الذهبية، أبوظبي: إبريل نيسان 2004، ص 214- 215، ص 220.