مقابر ومدافن القاهرة في العصر المملوكي [ القاهرة ]



كانت جبانة مصر الفسطاط حتى منتصف القرن الخامس تمتد فقط شرق المدينة. وكانت أقدم أجزائها يقع بين مسجد الفتح وسفح المقطم، وهي تشمل الأحياء المعروفة اليوم ببطن البقرة والبساتين وعقبة بن عامر والتونسي. وهذه المنطقة هي التي تعرف ب "القرافة الكبرى". ولم تكن المنطقة المحصورة بين قبة الإمام الشافعي وسفح المقطم تحوي مقابر إلا بعد أن دفن الملك الكامل محمد الأيوبي ابنه في سنة ثمان وستمائة هجرية بجوار قبر الإمام الشافعي وبنى القبة الكبيرة الموجودة إلى الآن على ضريح الإمام الشافعي، فنقل الناس أبنيتهم من القرافة الكبرى إلى هناك وأنشأوا بها الترب وعرفت ب "القرافة الصغرى". وفي زمن الناصر محمد بن قلاوون استجد الأمراء المماليك ترباً بين قبة الإمام الشافعي وباب القرافة حتى صارت العمارة متصلة من بركة الحبش جنوباً إلى باب القرافة شمالاً.
وهناك جبّانة أخرى يرجع تأسيسها إلى القرن الثاني الهجري كانت تمتد إلى حدود الطرف الشمالي لمصر الفسطاط وتغطي المنطقة التي تقع اليوم جنوب غرب باب القرافة وحتى عين الصيرة. ومع بداية القرن الثالث وجدت جبّانة ثالثة عند سفح المقطم في المنطقة التي يقع فيها اليوم ضريح عمر بن الفارض والتي كانت تعرف قديماً بمدافن محمود.
وأخيراً، ربما مع بداية القرن الرابع الهجري، طرأت ظاهرة جديدة حيث وُجد حي عمراني استمد اسمه من بني قرافة أحد بطون قبيلة المعافر. وإلى هذه القبيلة يُنسب مجموع جبّانات القاهرة التي عُرفت جميعا بالقرافة. وبناء على ذلك فقد ذكر ابن جبير وابن سعيد أنهما باتا بالقرافة ليالي كثيرة، وأضاف ابن سعيد أن بها "قبوراً عليها مبان معنى بها ... وترباً كثيرة عليها أوقاف للفقراء ومدرسة كبيرة للشافعية، ولا تكاد تخلو من طرب ولا سيما في الليالي المقمرة، وهي معظم مجتمعات أهل مصر وأشهر متنزهاتهم".
وبعد الفتح الفاطمي لمصر نشأت جبّانات جديدة كانت أولاً جنوب شرق القاهرة وتمتد خارج باب زويلة في المنطقة التي يشغلها اليوم جامع الصالح طلائع وشارع الدرب الأحمر وشارع التبانة وشارع باب الوزير والشوارع المتفرعة منها. وبعد وفاة أمير الجيوش بدر الجمالي سنة 487هـ أنشئت جبانة أخرى خارج باب النصر شمال القاهرة كان هو أول من دُفن فيها، تشغل مكانها اليوم قرافة باب النصر الواقعة بين حي الحسينية وشارع المنصورية.
أما قرافة المماليك الواقعة في صحراء المماليك إلى الشرق من طريق صلاح سالم الحالي فلم تنشأ إلا في عصر المماليك الشراكسة مع نهاية القرن الثامن الهجري حيث بدأ سلاطين المماليك وأمراؤهم في إنشاء المساجد والخوانق بهذه المنطقة وألحقوا بها مدافن لهم. وما أن انتهى القرن التاسع الهجري إلا وكان بها مجموعة من العمائر الدينية والقباب لم تجتمع في صعيد واحد مثل ما اجتمعت هناك. وأكثر من عُني بالإنشاء بها من سلاطين المماليك الشراكسة السلطان الملك الأشرف أبو النصر قايتباي لذلك فإنها تُعرف في المصادر بترب قايتباي 1.
1 : د. أيمن فؤاد السيد، التطور العمراني لمدينة القاهرة منذ نشأتها وحتى الآن، القاهرة: الدار المصرية اللبنانية، 1997، ط 1، ص 56- 57.