بناء قلعة صلاح الدين [ القاهرة ]



لم تكن أسوار صلاح الدين إلا صورة منفحة لأسوار بدر الجمالي، أما القلعة فكانت فكرة مبتكرة. ويحتمل أن يكون الباعث لصلاح الدين على إقامتها بغضه الشديد للخلفاء الفاطميين الشيعيين ولقصورهم التي سكنوها فقد لا نشك إذا قلنا إن صلاح الدين على الرغم من قصر مدة إقامته في القاهرة رغب في أن يجعل القلعة مقراً لسكناه. ولكي نفسر كيف أراد أن يشيدها كقلعة للدفاع نعود إلى حملات صلاح الدين في سوريا حيث لا تخلو مدينة سورية من قلعتها. فنظر بعينه العسكرية ورأى حاجة القاهرة إلى قلعة تحميها فتمت مشيئته.
اختار صلاح الدين المكان لإقامة تلك القلعة التي تحكم القاهرة على ارتفاع لا يقل عن 250 قدماً ولو أنه كان من ورائها على الجبل مواقع أعلى تحكم موقع القلعة وتشرف عليها بنيرانها فإننا لا ننسى مكانة الأسلحة الحربية القديمة بجانب الأسلحة الحديثة، والنتيجة لا تجعلنا نبخس المهندسين العسكريين في القرن الثاني عشر حقهم من الكفاءة والمقدرة في فن العمارة فإن عملهم لا يزال واضحاً لزملائهم في القرن العشرين.
وقام صلاح الدين بتنفيذ مشروع بناء القلعة في عام 1177م وأقام على عمارتها الأمير بهاء الدين قراقوش الأسدي الخصي وأحد أمرائه المخلصين. ولم ينقض على العمل ست سنوات حتى نقش على الباب المدرج في الضلع الغربي من القلعة ما نقرأه إلى يومنا هذا.
"بسم الله الرحمن الرحيم. أمر بإنشاء هذه القلعة الباهرة المجاورة لمحروسة القاهرة التي جمعت نفعاً وتحسيناً وسعة على من التجأ إلى ظل ملكه وتحصيناً مولانا الملك الناصر صلاح الدنيا والدين أبو المظفر يوسف بن أيوب محيي الدين أبي بكر محمد خليل أمير المؤمنين على يد أمير مملكته ومعين دولته قراقوش بن عبد الملك المالكي الناصري في سنة تسعة وسبعين وخمسمائة (أي في عام 1183- 1184م) ".
مات صلاح الدين قبل أن ينتهي بناء القلعة فأهمل العمل مدة إلى أن كانت سلطنة الملك الكامل محمد بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب في قلعة الجبل وأنابه في حكم مر وجعله ولي عهده، فأتم بناء القلعة وما برح يسكنها حتى مات فاستمرت من بعده دار مملكة مصر حتى عام 1850- ولقد طرأـ على مبانيها تغييرات وإضافات متعددة ولا ترى فيها اليوم من أعمال صلاح الدين الأولى سوى بعض أجزاء السور والأبواب 1.
1 : عبد الرحمن زكي، بناة القاهرة في ألف عام، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1986، ص 19- 21.