مسجد المؤيد شيخ [ القاهرة ]



بعد ثلاث سنوات من تولي المؤيد سلطنة مصر، شرع في بناء مسجده الكبير، فبدأ بهدم سجن شمائل، وبعض المباني المجاورة له، وهنا يجب رصد ملحوظة هامة، وهي إقدام كل حاكم مصري على تشييد بناء معماري ضخم ينسب إليه، لا يقتصر الأمر على سلاطين المماليك الذين شيد كل منهم مسجداً، يتراوح في حجمه وفخامته تبعاً لطبيعة حكم السلطان، من حيث استقراره في الحكم مدة طويلة، وحالة البلاد وشخصيته، الا يذكرنا هذا بفراعنة مصر العظام، عندما كان الفرعون يقدم على تشييد بناء معماري ضخم، يقهر به الفناء ويضمن الخلود، سواء كان البناء هرماً مدرجاً، أو هرماً أكبر، أو معبداً ضخماً، أو بهو أعمدة في معبد أو لوحات فنية دقيقة تنقش في الصخر أو مسلات تقتطع من بطن الجبل، خاصة إذا لاحظنا أن الأهرامات في حقيقتها مقابر ضخمة، أبنية حجرية شيدها الإنسان المصري ليقهر الفناء بالمادة.
والمساجد التي أقامها سلاطين المماليك وأمراؤهم تضم مقابرهم أيضاً، وعندما تدخل من الباب الرئيسي لمسجد المؤيد، تطالعنا تربته الرخامية قبل وصولنا إلى الإيوان الرئيسي للجامع، وبجواره تربة ابنه إبراهيم وفي الجهة القبلية غرفة أخرى للدفن، بها زوجة السلطان وابنته، وكأن الداخل إلى المسجد إنما يجسد الموت، وبدخوله الإيوان تبدو له الحياة رحبة، فسيحة، مشبعة بالضوء والخضرة، وكأنه الفرج بعد الضيق، أو الحياة بعد الموت.
وفوق مدفن السلطان المؤيد تقوم قبة حجرية شاهقة العلو، تنتصب الجدران في شموخ رهيب، غامض ، كأن السلطان المؤيد يغالب الفناء، يوجد لنفسه موقعاً في عصور تلت عصره، تلاشى قبل أن يلحق بها. هنا، تحت هذه القبة الشاهقة، حيث المادة، حيث الروح والجسد، كل ما ينطق به الإعجاز المعماري، هنا تبدو قدرة مصر على فرض مضامينها الروحية، حتى على الأجانب الذين يحكمونها، انضموا على جانب المصري في صراعه الأبدي القديم ضد الفناء، ومحاولته أن يضمن الخلود. ولأن الحاكم قدراته أكبر، إمكانياته أوسع، فقد لجأ إلى كافة ما يمكنه لتحقيق ما يهدف إليه، وهذا ما فعله السلطان المؤيد شيخ.
يقول ابن إياس: "فلما بنى السلطان هذا الجامع حصل للناس بسببه غاية الضرر.." صورة غريبة يقدمها لنا ابن إياس، إذ كان المؤيد يقصد بناء بيت من بيوت الله، تشييد مسجد فلماذا يحدث الضرر بالنسبة للناس؟ لقد كان الأسلوب المملوكي في الحكم المتسم بالتعسف والظلم، يتسرب إلى أعمال الخير أيضاً.
كان بناء المسجد يحتاج إلى كمية كبيرة من الرخام، لهذا صار والي القاهرة يهاجم بيوت الناس ويخلع منها الرخام غصباً، وهنا لندع ابن إياس مرة أخرى يتحدث: "وصار المؤيد يكبس الحارات التي بها بيوت المباشرين، وأعيان الناس بسبب الرخام وكان التاج والي القاهرة يهجم على الناس في بيوتهم، ومعه المرخمون (عمال الرخام) فيقلع رخام النسا طوعاً أو كرهاً، وأخرب دوراً كثيرة، وجعل باب السلطان حسن الذي خلعه، وجعله على باب جامعه، وأخذ التنور الكبير النحاسي "النجفة" منها أيضاً، ودفع في الباب والتنور خمسمائة دينار. فكان ما قيل في المعنى:


بنى جامعاً لله من غير جله فجاء بحمد الله غير موفق
كمطعمة الأيتام من كد فرجها فليتك لا تزني ولا تتصدق


الإيوان الكبير
.. يفاجئنا الاتساع الرحيب، والفضاء الوديع الذي يملأ فراغ المسجد من الداخل.. نحن الآن تحت الإيوان الشرقي، تقوم حولنا أ'مدة الرخام الجميلة التي تحمل سقفاً مزدحماً بأبدع النقوش الإسلامية.. كان للجامع أربعة إيوانات تحيط بالصحن كلها تخربت، امتدت غليها يد الفناء، ولم يبق إلا هذا الإيوان الشرقي، الإيوان تغمره الزخارف من الأرض حتى السقف، الجدران محلاة بالخزف، والكتابة تغطي السقف.
نقف أمام المحراب، الرخام يكسوه تماماً قطع صغيرة متعددة الألوان وبجوار المحراب منبر خشبي طعم بالعاج والصدف، الإيوان لا يبهر بمجرد عظمة العمارة فيه، العمارة هنا لا تحدث أثراً في النفس ، إنها الرهبة، الخشوع، العمارة هنا تجبرك على قبول دعوة للتأمل، من خارج الشبابيك تأتي أصوات الغورية، كأنها تمر بعدة مرشحات عازلة قبل أن تصل إلى أذنيك، وعندما تسمعها هنا، عندئذ تنتمي هذه الأصوات على العصر الذي شيد فيه المسجد، يساعد على هذا أن هذه الأصوات بالتأكيد لم تتغير كثيراً عما كان الأمر عليه وقت بناء المسجد، فالعربات والمركبات الآلية لا تمر من شارع الغورية إلا نادراً.
نخرج من الإيوان الشرقي، ليس إلى الخارج، ولكن إلى وسط المسجد، حيث تطالعنا حديقة، خضرتها غريبة، وتلقي الحديقة هنا ظلالاً مهيبة على طبيعة المكان، تجعل للرهبة بعداً آخر..
السكر: وفي صحن المسجد، نرى فسقية، من الرخام بنيت لتكون ميضأة، نقترب منها ونحن نذكر حديث مؤرخنا العظيم ابن إياس بعد انتهاء عمارة مسجد المؤيد: "ثم إن السلطان نزل إلى هناك وأقام إلى بعد العصر وأمر السلطان أن تملأ الفسقية التي في صحن الجامع سكراً، فملئت، ووقف الأمراء يفرقون السكر على الناس بالطاسات". نذكر هنا ونحن نرى أحد الرجال يتعرى، ويجلس القرفصاء ليتبول في الميضأة، وآخر يغسل تحت إحدى "الحنفيات" طبقاً به بقايا أطعمة، وإذا مددنا النظر فسنلمح بالأرضية بقايا ونفايا قذرة. أحقاً ملئت هذه الفسقية يوماً بالسكر وأخذ منه الناس؟ 1
1 : جمال الغيطاني، ملامح القاهرة في ألف سنة، القاهرة: دار نهضة مصر، 1997، ص 64- 69.