تأسيس القاهرة [ القاهرة ]



كان وصول الفاطميين إلى مصر في أواسط القرن الرابع الهجري انقلاباً غير عادي وتطوراً خطيراً في خريطة العالم الإسلامي آنذاك. فلأول مرة في التاريخ الإسلامي تنشأ منافسة حقيقية على حكم العالم الإسلامي وتتجاذب السيطرة عليه خلافتان في وقت واحد كل واحدة ترى أنها صاحبة الحق في حكم هذا العالم.
وفور وصول جوهر الصقلي قائد الخليفة الفاطمي المعز لدين الله على مصر سنة 358هـ/969م، أخذ على الفور في تنفيذ تعليمات سيده في بناء مدينة في مصر تكون بالنسبة للفسطاط مثل المنصورية بالنسبة للقيروان في إفريقية.
ففي الليلة التي عبر فيها جوهر بقواته من الجيزة إلى الفسطاط 17 شعبان سنة 358هـ/ 6 يولية سنة 969م عسكر بقواته في السهل الرملي الواقع إلى الشمال من القطائع، وكان يحد هذا السهل جبل المقطم من الشرق والخليج من الغرب. وكان هذا السهل خالياً من العمارة إلا من بضعة منشآت هي: البستان الكافوري ودير للنصارى يعرف بدير العظام (يشغل مكانه الآن الجامع الأقمر) وقصر صغير سمي قصر الشوك كان لبني عُذرة. وأطلقت كتب الخطط على هذا الموقع اسم "المناخ".
وفي نفس الليلة بدأ في وضع أساس قصر كبير وسور يحيط بالقصر ويحدد موضع المدينة الجديدة. ولما كانت أعمال الحفر الأولية ووضع الأساسات قد تمت في أثناء الليل وبعجلة كبيرة، حتى إن أعيان الفسطاط عندما أتوا في صباح اليوم التالي لتهنئة جوهر وجدوا أن أُسس البناء الجديد قد حفرت، فقد لاحظ جوهر وجود ازورارات في تخطيط القصر وأن خطوطه لا تسير على استقامة واحدة، وبالطبع كانت هذه أيضاً حالة أسوار المدينة، ومع ذلك فقد كونت مربعاً منتظماً تواجه أضلاعه الجهات الأربع الأصلية.
وقد بنى جوهر سور المدينة الأول من اللبن (طوب مصنوع من الطين المجفف عن طريق تعريضه لحرارة الشمس) على شكل مربع طول كل ضلع من أضلاعه ألف وثمانين متراً، فكانت مساحة القاهرة في أول تأسيسها 1.166.400 متر مربع، جعل منها 240.141 متراً مربعاً للقصر و 120.050 متراً مربعاً هي مساحة البستان الكافوري ومثلها للميادين وأقيم على الباقي وقدره 686.000 متراً مربعاً حارات المدينة، وجعل قسم منه فراغ تحسباً للزيادة مع الأيام.
وكان قسم كبير من هذا السور في ناحيته الشرقية ما يزال قائماً في زمن المقريزي ويقع خلف سور صلاح الدين بنحو خمسين ذراعاً (28.90 متر) فيما بين باب البرقية ودرب بطوط هُدم في سنة 803هـ. وقد أبدى المقريزي دهشته من حجم الطوب المستخدم في البناء، وذكر أن طول الطوبة الواحدة ذراعاً وعرضها ثلثي ذراع، وأن سمك هذا السور كان كافياً لأن يمر فوقه فارسان جنباً إلى جنب. ولا جدال في أن هذه البقايا كانت قليلة للغاية بما أن الرحالة الفارسي ناصر خسرو أشار أثناء زيارته للقاهرة عم 440هـ/1048م إلى أنه "ليس للمدينة سور محصن".
وكانت تفتح في هذا السور تسعة أبواب بابان في السور الشمالي هما: باب النصر وباب الفتوح، وبابان في السور الشرقي وهما: باب البرقية وباب القراطين، وثلاثة أبواب في السور الجنوبي هم: بابا زويلة وباب الفرج، وبابان في السور الغرب يهما: باب القنطرة وباب سعادة. وقد زالت كل هذه الأبواب ولا يوجد منها الآن أي أثر وإن ذكر المقريزي أنه شاهد بقايا أقواس بعض هذه الأبواب.
وفي أول الأمر ظن جوهر أنه يتقرب إلى سيده المعز لو أطلق على المدينة الجديدة اسم "المنصورية" (بمعنى المنتصر أو الظافر) تشبهاً بعاصمة الفاطميين التي أسسها المنصور والد المعز في إفريقية. ولكن الخليفة المعز قام بتغيير اسمها إلى "القاهرة" حين وصل إلى مصر بعد ذلك بأربع سنوات خاصة وأنه كان قد أعطى أمراً لجوهر عند وداعه له في إفريقية بتشييد مدينة تسمى القاهرة تقهر الدنيا. (راجع كذلك الرواية الخاصة بتسميتها نسبة إلى كوكب المريخ وهو القاهر الذي كان في الطالع عند وضع أساس المدينة).
اتخذ تخطيط القاهرة في أول الأمر الشكل المربع وبعد نحو مائة وعشرين عاماً تحول شكلها إلى الشكل المستطيل بعد أن وسّع بدر الجمالي أسوار المدينة الجنوبية والشمالية ونقلها إلى حيث يدل على موقعها الأبواب الباقية منها إلى الآن. ومن مميزات الشكل المربع أو المستطيل أنه يوفر للمخطط أضلاعاً مستقيمة وزوايا قائمة مما ييسر عمليات البناء وقياس مساحة الأرض ويوجد في الوقت نفسه تقاطعاً متعامداً يحدد وسط المدينة ويوفر مواقع مقسمة ذات أبعاد متساوية. وكان يخترق القاهرة شارع رئيسي يمتد من باب زويلة جنوباً وحتى باب الفتوح شمالاً في موازاة الخليج أطلق عليه " الشارع الأعظم" أو "قصبة القاهرة" قسم المدينة إلى قسمين متساويين، ولكنها لم تشهد طوال العصور الوسطى وجود شوارع متعامدة على الشارع الأعظم. كما كان يوجد شارع مواز له يدل عليه الآن شارع الجمالية كان يقود من باب العيد إلى باب النصر. وقد لعب هذا الشارع دوراً هاماً في نشاط الخليفة إذ كانت مواكبه تسلكه للذهاب مثلاً إلى المصلى القائم خارج السور الشمالي.
وقد طلب جوهر إلى القبائل والجماعات التي صحبته في فتح مصر أن تختط كل واحدة لنفسها خطة تنزل بها عرفت باسم "الحارة" (ج. حارات) ولم يقصد بالحارة في هذا الوقت الطريق الذي يمر فيه الناس بين المساكن كما هو الحال اليوم، وإنما جزءاً من مجموع مباني المدينة يمثل حياً كاملاً تتخلله الطرق وتوجد به الحمامات والأسواق والمساجد. وكان عدد الحارات الأولى للقاهرة نحو عشرة حارات أخذت في التزايد مع امتداد المدينة وورود طوائف جديدة إليها، وكان لكل حارة من حارت القاهرة باب يغلق عليها بعد صلاة العشاء ويفتح قبل صلاة الفجر بمعرفة "متولي الطوف ليلاً" أو "أصحاب العسس" 1.

1 : د. أيمن فؤاد السيد، التطور العمراني لمدينة القاهرة منذ نشأتها وحتى الآن، القاهرة: الدار المصرية اللبنانية، 1997، ط 1، ص 11- 14.